داخل معهد بيكر بجامعة كاليفورنيا، اختصر طالب ثانوي وباحث دراسات عليا شهور البرمجة المعقدة بأوامر ذكاء اصطناعي بسيطة، ليتفوقا على خبرات بشرية تراكمت لسنوات.
أثبت هذا التحول قدرة النماذج اللغوية على التنبؤ بمخاطر الولادة المبكرة بدقة مذهلة، ليعلن دخول البحث الطبي عصرًا يختزل الزمن ويتجاوز حدود الكفاءة التخصصية.
لم يمثل هذا النجاح مجرد سرعة في التنفيذ، وإنما كان إعلانًا عن دخول عصر جديد في البحوث الطبية يختزل سنوات العمل الشاق في أشهر معدودة، وهو ما كشفته دراسة حديثة نُشرت في دورية «سيل ريبورتس ميديسن». وأظهرت الدراسة أن نماذج لغوية كبيرة مثل «ChatGPT» و«Gemini» لم تعد مجرد أدوات للمحادثة، بل أصبحت محركات بحثية قادرة على التنبؤ بمخاطر الولادة المبكرة بدقة تثير الإعجاب والقلق في آن واحد.
واعتمد الفريق البحثي الذي قادته الدكتورة مارينا سيروتا على مجموعات بيانات ضخمة ومعقدة تُعرف بتحديات «DREAM»، وهي مسابقات دولية يتسابق فيها العلماء لحل معضلات طبية حيوية.
وشملت البيانات معلومات عن الحمض النووي الريبوزي، وبيانات التخلق المتوالي من خلايا المشيمة، بالإضافة إلى معلومات الميكروبيوم في السوائل المهبلية، وهي عوامل يحتاج المحللون المتخصصون في الوضع الطبيعي إلى وقت طويل لربطها ببعضها وفهم كيفية تأثيرها على موعد الولادة.
وتجلت المفاجأة عندما قام الباحثون الصغار باختبار ثمانية نماذج للذكاء الاصطناعي، ونجحت أربعة منها ومن بينها «DeepSeek R1» ونسخ متطورة من «ChatGPT» في كتابة أكواد برمجية تعمل بسلاسة تامة. ولم تكتفِ هذه النماذج بالعمل فحسب، وإنما نجح نموذج «o3-mini» من شركة «OpenAI» في مطابقة دقة الفرق البشرية الخبيرة، وفي حالة معينة تتعلق بتقدير عمر الجنين من بيانات المشيمة، استطاع الذكاء الاصطناعي التفوق على البشر بوضوح.
وعبرت الدكتورة مارينا سيروتا، المدير المؤقت لمعهد بيكر، عن ذهولها بما حققه العلماء الصغار موضحة «ما رأيته من العلماء الصغار هنا ومدى الفعالية التي يمكن أن يكونوا عليها قد ألهمني وأذهلني حقًا». وأضافت أن العملية التي كانت تستغرق سنوات لإنجازها من قبل الفرق البشرية تمت في هذه التجربة خلال ستة أشهر فقط، بما في ذلك كتابة الورقة البحثية كاملة.
تتجاوز أهمية هذا التطور مجرد كتابة الرموز البرمجية، حيث تبرز الولادة المبكرة كقضية صحية عالمية تؤثر على نحو 11% من الرضع في العالم، وتضعهم أمام مخاطر صحية جسيمة تؤثر على الدماغ والعين والجهاز الهضمي. ويمثل التنبؤ الدقيق بهذه الحالات فرصة لتوفير رعاية طبية أفضل وتدخلات استباقية قد تنقذ آلاف الأرواح، وهو ما دفع الفريق لتطوير أداة جديدة تُدعى «Chat PTB» مخصصة للبحث في أدبيات الولادة المبكرة. وتتيح هذه الأداة للباحثين الحصول على إجابات ملخصة وموثقة من آلاف الأوراق العلمية في ثوانٍ معدودة، وهو عمل كان يتطلب في السابق ساعات من القراءة والبحث اليدوي.
ومع هذا الحماس، يبرز تساؤل جوهري حول المدى الذي يمكننا فيه الوثوق بهذه الأنظمة التي تتجه الآن نحو ما يعرف بـ «الذكاء الاصطناعي الوكيل»، وهو نظام لا يكتفي بالرد على الأوامر، وإنما ينفذ خطوات بحثية متعددة باستقلالية متزايدة. ورغم الإغراءات، إلا أن دراسة نُشرت في «نيتشر بيوميديكال إنجينيرنج» وضعت علامة استفهام كبيرة، إذ وجدت أن دقة هذه النماذج تنخفض إلى ما دون 40% عندما تترك لتعمل بمفردها دون إشراف بشري دقيق.
ويرى الخبراء أن الحل يكمن في الفصل بين التخطيط والتنفيذ، فعندما يقوم الذكاء الاصطناعي بوضع خطة عمل يراجعها البشر قبل البدء في كتابة الكود، ترتفع الدقة لتصل إلى 74%. ويوضح زيفينج وانج، المؤسس المشارك لشركة «Keiji AI»، أن الهدف ليس الثقة العمياء، وإنما تصميم أطر عمل تكون فيها خطوات التفكير والتخطيط مرئية بما يكفي ليتمكن الباحثون من الإشراف على العملية والتحقق من صحتها.
وفي سياق متصل، يدعو بعض العلماء إلى عدم تحميل الذكاء الاصطناعي معايير مثالية لا يستطيع البشر أنفسهم تحقيقها، حيث يرى إيان مكولوه، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة جونز هوبكنز، أن السؤال الحقيقي يكمن في كيفية الاستفادة من هذه التكنولوجيا القوية ضمن المنهج العلمي. ويشير مكولوه إلى أن الناس يميلون لتضخيم أخطاء الآلة وتجاهل أخطاء البشر، رغم أن الواقع يثبت أحيانًا أن نسبة الخطأ البشري في مهام معينة قد تفوق بمراحل أخطاء الأنظمة الذكية، مشددًا على أن الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس الكمال، وإنما أن يكون أداؤه أفضل من أداء الناس.
ويبقى التحدي الأكبر هو غياب المعايير الموحدة لتقييم أداء الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية، خاصة مع تطور النماذج بسرعة هائلة تجعل المقاييس الموجودة حاليًا غير صالحة للاستخدام في وقت قصير جدًا. ومع ذلك، يتفق العلماء على أن الذكاء الاصطناعي مكانه المختبر ولكن تحت الرقابة، وتختتم سيروتا حديثها بنبرة تفاؤل حذرة مشددة على ضرورة الحذر حتى لا تضيع العملية العلمية، مع إيمانها بأن الفرصة المتاحة تعد هائلة.













