خلال أكثر من عشر سنوات، تعلّق الأمل لدى الباحثين بفئة من العلاجات التجريبية المضادة للسرطان المعروفة باسم مثبطات BET، والتي بدت في بدايتها خطوة واعدة في مجال علاج الأورام.
وقد استند هذا التوجه إلى فهم دور بروتينات تنتمي إلى عائلة تُعرف باسم “Bromo- and Extra-Terminal domain” أو اختصارًا BET، وهي بروتينات تُسهم في التحكم في نشاط عدد كبير من الجينات المرتبطة بنمو الخلايا السرطانية. وكان الافتراض الأساسي أن إيقاف هذه البروتينات سيؤدي إلى تعطيل إشارات جينية تدفع الخلايا نحو الانقسام غير الطبيعي، وبالتالي إبطاء تطور المرض.
ورغم أن التجارب المعملية أعطت نتائج إيجابية في مراحل مبكرة، فإن الانتقال إلى التطبيقات السريرية على المرضى كشف عن صورة مختلفة تمامًا. فقد جاءت النتائج أقل من التوقعات، حيث انحصرت الفائدة في عدد محدود من الحالات، بينما ظهرت آثار جانبية لا يمكن تجاهلها، إضافة إلى غياب معيار واضح يسمح بتحديد المرضى الأكثر قابلية للاستجابة للعلاج، وهو ما جعل الفجوة بين نتائج المختبر والواقع العلاجي محور تساؤل علمي مستمر.
وفي دراسة حديثة أجراها معهد ماكس بلانك لعلم المناعة والإيبيجينتيك في مدينة فرايبورغ، برزت تفسيرات جديدة قد تشرح أسباب هذا القصور، مع طرح رؤية مختلفة يمكن أن تمهّد لتطوير علاجات أكثر دقة واستهدافًا في المستقبل.
لماذا فشل علاج السرطان؟
وتوضح الدراسة أن أحد أبرز أسباب محدودية نجاح هذه العلاجات يعود إلى التعامل مع بروتينات BET باعتبارها وحدة وظيفية متطابقة، رغم أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالمثبطات الحالية صُممت لاستهداف خاصية مشتركة تجمع بين هذه البروتينات، وهي قدرتها على الارتباط بالكروماتين، أي البنية المعقدة التي تتكون من الحمض النووي والبروتينات وتتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها. وكان الاعتقاد السائد أن تعطيل هذا الارتباط كفيل بإسكات الجينات التي تساهم في نمو السرطان.
إلا أن نتائج البحث الجديد، الذي قاده فريق مختبر عاصفة أختار، كشفت أن هذا التصور لا يعكس الصورة الكاملة. فقد تبين أن بروتينين رئيسيين ضمن هذه العائلة، هما BRD2 وBRD4، لا يؤديان الدور نفسه، بل يعمل كل منهما في مرحلة مختلفة من عملية تفعيل الجينات.
فمن جهة، يقوم BRD4 بدور لاحق في سلسلة الأحداث الجزيئية، حيث يشارك في خطوة تتعلق بتحرير إنزيم بوليميراز الحمض النووي الريبي II، وهو الإنزيم المسؤول عن بدء عملية نسخ الجينات وتحويلها إلى نشاط فعلي داخل الخلية. وهذه الخطوة تحديدًا هي التي تستهدفها غالبية العلاجات الحالية.
أما BRD2، فيظهر دوره في مرحلة أبكر بكثير، إذ يشارك في بناء التهيئة الأولية لعملية النسخ، من خلال تنظيم وتجميع العناصر الجزيئية اللازمة لبدء تشغيل الجينات من الأساس، أي أنه يساهم في إعداد النظام قبل انطلاقه فعليًا.
"عمل مسرحي متكامل"
تصف الباحثة عاصفة أختار، هذه العملية بطريقة توضيحية، مشبهةً تنشيط الجينات بعمل مسرحي متكامل، حيث يتولى BRD2 مهمة التحضير خلف الكواليس عبر ترتيب الأدوات والعناصر وتنظيم المشهد الكامل، بينما يأتي دور BRD4 لاحقًا ليعطي الإشارة التي تسمح ببدء الأداء الفعلي. وتؤكد أن التركيز السابق على مرحلة التشغيل فقط أغفل أهمية المرحلة التمهيدية التي تسبقها.
وتضيف النتائج أن BRD2 لم يكن يُنظر إليه سابقًا باعتباره عنصرًا محوريًا، إلا أن البيانات الجديدة غيّرت هذا التصور بشكل واضح. ويرتبط هذا البروتين بمجموعة من الإشارات الكيميائية الدقيقة داخل الخلية، حيث يقوم إنزيم يُعرف باسم MOF بإضافة تعديلات كيميائية على الكروماتين تُسمى أستلة الهيستون، وهي علامات تعمل كإشارات تنظيمية تحدد المواقع الجينية النشطة وتوجه البروتينات إلى أماكن عملها.
ويعتمد BRD2 على هذه العلامات بشكل أساسي، إذ أظهرت التجارب أنه عند غياب نشاط إنزيم MOF يفقد هذا البروتين قدرته على الالتصاق بالكروماتين بكفاءة، في حين تبقى بروتينات أخرى من نفس العائلة أقل تأثرًا بهذا التغيير. ويشير الباحث أوموت إردوغدو إلى أن هذه النتائج تدعم نموذجًا جديدًا يرى أن الكروماتين المعدل كيميائيًا يشكل بيئة مهيأة تساعد في توجيه بروتينات مثل BRD2 إلى المواقع المناسبة استعدادًا لبدء عملية النسخ.
ولا يقتصر دور BRD2 على التعرف على الإشارات الكيميائية فقط، بل يمتد إلى تنظيم العملية داخل الفراغ ثلاثي الأبعاد لنواة الخلية، حيث يقوم بتكوين تجمعات بروتينية عند مواقع الجينات النشطة. وتعمل هذه التجمعات على جمع المكونات الضرورية في نقطة محددة، بما يضمن بدء عملية النسخ بشكل منظم ودقيق.
ولفهم أهمية هذا الدور، أجرى الباحثون تجربة تم فيها حذف الجزء المسؤول عن تكوين هذه التجمعات من بروتين BRD2، مع الإبقاء على باقي بنيته دون تغيير. وكانت النتيجة أن عملية نسخ الجينات تباطأت بشكل واضح، رغم استمرار وجود البروتين داخل النواة. وتعلق عاصفة أختار على هذه النتيجة موضحة أن التكتل البروتيني ليس مجرد ظاهرة مصاحبة، بل عنصر أساسي في تنظيم عمل الجينات، مشبهةً BRD2 بمنسق إنتاج يضمن ترتيب جميع العناصر قبل انطلاق الحدث.
وتشير هذه النتائج في مجملها إلى أن فهم آلية عمل بروتينات BET يحتاج إلى إعادة نظر شاملة، إذ لم يعد من الدقيق التعامل معها كهدف علاجي واحد متشابه الوظائف. وبدلًا من ذلك، قد يكون من الأجدى تطوير استراتيجيات علاجية تميز بين أدوار BRD2 وBRD4 بشكل منفصل، وهو ما قد يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وقدرة على التنبؤ بالاستجابة، مع تقليل الآثار الجانبية المصاحبة للعلاج.
اقرأ أيضًا:
نهج علاجي مبتكر.. بكتيريا تفتك بالسرطان من الداخل
إمدادات أدوية السرطان تواجه الخطر بسبب الحرب
نهج علاجي مبتكر.. بكتيريا تفتك بالسرطان من الداخل














