نوبات الغضب وصراخ الأطفال في الأماكن العامة تعتبر من أكثر اللحظات التي يشعر فيها الأهل بالإحراج والتوتر؛ فالصراخ والبكاء وفقدان السيطرة على المشاعر يمكن أن يحدث في أي وقت، دون مراعاة للمكان أو الأشخاص المتواجدين، ما يجعل الوالدين يشعران وكأن كل الأنظار مصوبة إليهما، ويثير شعورًا بالضغط والارتباك، وأحيانًا الخوف من حكم الآخرين أو الانتقاد الصامت.
رغم هذا الشعور بالغرق في الحرج، فإن هذه النوبات ليست مجرد أزمة لحظية، بل فرصة لفهم الطفل بشكل أعمق، والتعرف على مشاعره واحتياجاته، وبناء علاقة أقوى تقوم على التواصل والدعم المتبادل.
التعامل الصحيح مع هذه اللحظة يمكن أن يحول الصراع والتوتر إلى فرصة لتعليم الطفل تنظيم مشاعره، وإكسابه أدوات للتعبير عن نفسه بطريقة صحية، وفي الوقت نفسه يمنح الوالدين شعورًا بالثقة والقدرة على إدارة المواقف الصعبة، بدلًا من الانغماس في شعور العجز أو الفشل.
إيجاد مساحة آمنة واحترام الحدود الشخصية
أولى خطوات التعامل مع نوبة الغضب هي نقل الطفل إلى مكان أكثر هدوءًا وأمانًا، بعيدًا عن الضوضاء والانتباه العام، يمكن أن يكون ذلك ممرًا هادئًا في السوبرماركت أو حتى الحمام إذا تطلب الأمر، المهم أن يشعر الطفل بالأمان والخصوصية. في هذه اللحظات، الهدوء الذي يظهره من حول الطفل يكون عنصرًا أساسيًا لمساعدته على تهدئة مشاعره وتنظيم انفعالاته.
خلال هذه الفترة، يجب أيضًا الانتباه لحدود الطفل الجسدية وراحته الشخصية. بعض الأطفال يحتاجون إلى لمس لطيف، بينما يحتاج آخرون لمسافة أكبر ليتمكنوا من التحكم في مشاعرهم. الإمساك بيد الطفل أو الضغط عليه قد يزيد من انزعاجه، لذلك من الأفضل الجلوس بجانبه مع ترك مساحة شخصية آمنة، مثل وضع وسادة أو حقيبة بينكما، ليشعر الطفل بالراحة والتحكم دون شعور بالقيود.
استخدام لغة بسيطة وهادئة لتنظيم المشاعر
طريقة التواصل مع الطفل أثناء النوبة لها تأثير كبير على مجرى الأحداث. إذا كان الطفل يقوم بسلوكيات خطرة مثل الضرب أو رمي الأشياء، من الضروري وضع حد هادئ وحازم لتلك التصرفات، مع استخدام جمل بسيطة وواضحة، مع تجنب الصراخ أو التهديد.
أما إذا كانت النوبة نابعة من شعور الطفل بالإرهاق أو الانزعاج، فإن لغة التعاطف والاهتمام تصبح المفتاح للتواصل. عبارات مثل: "أفهم شعورك" أو "أنا هنا لمساعدتك" تساعد الطفل على الشعور بأنه مفهوم ومحمي. كما أن دعمه للتعبير عن مشاعره دون حكم أو انتقاد يمنحه شعورًا بالأمان.
بعد تهدئة الطفل قليلًا، يمكن تقديم خيارات مناسبة لعمره، تمنحه شعورًا بالتحكم في الموقف، مثل السماح له بالاختيار بين الركوب في العربة أو الإمساك باليد، أو حمل قائمة التسوق أو المساعدة في دفع العربة.
تنظيم مشاعر البالغين والتعامل مع المراقبين
جزء كبير من التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على الطفل فقط، بل يشمل أيضًا إدارة مشاعر البالغين. في الأماكن العامة، من الطبيعي أن يتوقف الناس للمشاهدة، مما قد يثير شعورًا بالحكم أو التقييم، ولكن من المهم إدراك أن هذه النوبات لا تعكس فشلًا في التربية، بل هي تعبير طبيعي للطفل عن صعوبة التحكم في مشاعره.
تغيير منظور الموقف يساعد على التعامل مع التوتر بشكل أفضل، وفهم أن الطفل لا يحاول خلق مشكلة متعمدة، بل يمر بتجربة صعبة. يمكن تجاهل المتفرجين أو الرد بابتسامة أو عبارة بسيطة لتخفيف الشعور بالضغط.
وإذا أصبح الموقف شديدًا، فمن الممكن الانتقال إلى مكان هادئ مؤقتًا، سواء بالخروج إلى الخارج أو الجلوس في السيارة، لإتاحة فرصة للطفل لتهدئة مشاعره، وفي نفس الوقت إعادة ضبط النفس للبالغين. كل ذلك يساهم في تحويل نوبة الغضب من لحظة صراع إلى فرصة للتواصل، والفهم، وبناء الثقة بين الطفل والبالغ.












