لطالما شكّلت الصحة النفسية لغزًا معقدًا يجمع بين العقل والبيولوجيا والبيئة المحيطة، اليوم، تكشف دراسة حديثة أن جذور العديد من الاضطرابات النفسية قد تكون مشتركة على المستوى الجيني، ما يفسر سبب ظهور بعض الحالات معًا لدى الأفراد، ويعيد التفكير في طريقة تشخيص وعلاج هذه الحالات.
أظهرت الدراسة التي قادها باحثون في جامعة تكساس ونشرت في مجلة "نيتشر" أن بعض الاضطرابات النفسية تتشارك أجزاء من الحمض النووي، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا تظهر حالات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والتوحد، كلهم معًا أحيانًا، إذ يمكن لجزء واحد من الجينات أن يزيد الاستعداد لأكثر من حالة في الوقت نفسه.
حلل الفريق بيانات الجينوم لأكثر من مليون شخص مصاب باضطراب نفسي من بين أربعة عشر اضطرابًا مختلفًا، وقارنها مع بيانات خمسة ملايين شخص لم يعانوا من أي من هذه الحالات. ومن خلال هذه المقارنة، استطاع الباحثون تحديد اختلافات صغيرة في الجينات تؤثر على كيفية عمل الدماغ، وتقدم دلائل حول سبب تداخل بعض الاضطرابات بينما تختلف أخرى.
ومن بين النتائج اللافتة، تبين أن بعض السمات مثل الأفكار الانتحارية والشعور بالوحدة كانت مرتبطة بجميع الحالات، مما يعكس تأثيرًا جينيًا واسع النطاق على الصحة النفسية.
الخلايا الدماغية ودور الجينات
وكشفت الدراسة تفاصيل دقيقة عن الخلايا الدماغية المرتبطة بكل اضطراب. ففي حالات الفصام والاضطراب ثنائي القطب، لوحظت أقوى الروابط الجينية في الخلايا العصبية التي ترسل الإشارات التحفيزية، وهي المسؤولة عن تمكين مناطق الدماغ المختلفة من التواصل بفعالية، بينما كانت الاضطرابات الداخلية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة مرتبطة أكثر بالخلايا التي تساعد على سرعة انتقال الإشارات العصبية، ما يشير إلى اختلاف آليات تأثير الجينات حسب نوع الاضطراب.
واستند الباحثون في دراستهم إلى دراسات الارتباط الجيني واسعة النطاق، التي تقارن ملايين العلامات الجينية بين مجموعات كبيرة من الأشخاص لتحديد الاختلافات المرتبطة بالاضطرابات، كما استخدموا تقنية الارتباط الجيني لمقارنة كل اضطراب مع الآخر وقياس مدى تشابك المخاطر الجينية بينهم، وهو ما كشف عن شبكة معقدة من الروابط المشتركة بين الاضطرابات النفسية.
يقول الدكتور جون هيتيما، أحد المشاركين في الدراسة، إن الاكتشافات الجديدة تفتح الباب للتفكير في علاجات تستهدف أكثر من اضطراب في الوقت نفسه، بدلاً من التعامل مع كل حالة على حدة.
ويرى الدكتور دانييل آمن، اختصاصي الطب النفسي وتصوير الدماغ، أن هذه النتائج تؤكد أن الطريقة التقليدية لتشخيص الأمراض النفسية "معيبة لأنها لا تستند إلى البيولوجيا".
وأضاف أن العديد من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، وADHD ليست حالات منفصلة، بل جزء من أنظمة بيولوجية متداخلة تبدأ أحيانًا منذ مرحلة الجنين. وبناءً على ذلك، يجب النظر إلى الصحة النفسية كمسألة صحة دماغية قبل أن تُعامل فقط كأعراض نفسية.
وأكد الباحثون أن الجينات لا تحدد وحدها الإصابة بأي اضطراب، فهي تعمل كعامل يزيد أو يقلل من الاستعداد الوراثي، بينما يمكن أن تثير العوامل البيئية مثل التوتر، الصدمات النفسية، النظام الغذائي، العدوى، التعرض للسموم، أو إصابات الرأس هذه الاستعدادات.
وأشار الدكتور آمن إلى أن الجينات تحمل المسدس، لكن البيئة هي التي تضغط على الزناد، في إشارة إلى التفاعل المعقد بين العوامل الوراثية والبيئية.
وتبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تمهد الطريق نحو تشخيص يعتمد على بيانات بيولوجية موضوعية، عبر دمج الفحص الجيني مع تقنيات تصوير الدماغ، والتحليل الرقمي للوظائف السلوكية، والعلوم العصبية السريرية. وقد يؤدي هذا النهج إلى تطوير أدوات للكشف المبكر عن الأطفال الأكثر عرضة للخطر، ما يتيح التدخل قبل تفاقم الأعراض، ويحوّل مسار الرعاية النفسية بشكل جذري.













