في الأيام الباردة التي يطول فيها الليل ويقصر النهار، يبدو الانسحاب إلى العزلة خيارًا سهلًا ومريحًا، لكن هذا الميل الطبيعي للاختباء من العالم، لا يخدم صحتنا النفسية ولا رفاهيتنا الإنسانية، ويقلل شعورنا بالرضا في الشتاء وفي أي وقت من العام، فخلف دفء البيوت، قد نفقد شيئًا أكثر أهمية من الراحة المؤقتة: شعورنا بأننا مهمون.
وتشير جينيفر بريني والاس في كتابها «الأهمية: سر الحياة ذات التواصل العميق والهدف»، إلى فكرة محورية مفادها أن الإنسان لا يزدهر إلا حين يشعر بأن وجوده ذو قيمة للآخرين، فهذا الشعور، الذي تصفه بأنه حاجة إنسانية أساسية لا تقل شأنًا عن الطعام والمأوى، يشكّل حجر الأساس لحياة مليئة بالرضا والمعنى.
لماذا نحتاج إلى الشعور بأننا مهمون؟
ترى والاس أن الإحساس بالأهمية هو القوة الخفية التي تحرّك سلوك البشر، إيجابًا وسلبًا، فعندما يُشبَع هذا الاحتياج، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التوازن والعطاء، أما عندما يُهمَل، فإن العواقب قد تكون قاسية.
لشعور بعدم القيمة قد يدفع البعض إلى الانعزال، أو السقوط في الإدمان، أو إيذاء النفس، أو حتى تبنّي سلوكيات عدوانية، فكثير من مظاهر الغضب الاجتماعي، ليست سوى صرخات غير مباشرة تقول: «أنا موجود… أنا مهم».
العناصر الخمسة للأهمية
تستند والاس إلى أبحاث اجتماعية طويلة الأمد لتحديد خمسة عناصر رئيسية تكوّن شعور الإنسان بأهميته، أول هذه العناصر هو التقدير، أي أن يُنظر إلى الإنسان بوصفه ذا قيمة لذاته، لا فقط لما يقدّمه من إنجازات.
يليه الاعتماد المتبادل، حين يشعر الفرد بأن هناك من يثق به ويعتمد عليه، أما القيمة الشخصية فتظهر في التفاصيل اليومية الصغيرة، عندما يشعر الإنسان بأن اهتماماته وميوله تستحق الانتباه.
العنصر الرابع هو التناغم، أي الإحساس بأننا مفهومون، وأن مشاعرنا وتجاربنا تجد صدى حقيقيًا لدى الآخرين، ويأتي أخيرًا امتداد الأنا، وهو ذلك الرابط العاطفي الذي يجعلنا نشعر بأن هناك من يهتم لأمرنا، وبأننا نهتم بدورنا بحياة الآخرين.
حين تتحول العلاقات إلى خدمات مدفوعة
تنتقد والاس واقعًا معاصرًا أصبحت فيه كثير من أشكال الدعم الإنساني تُشترى بالمال، فبدلًا من الاعتماد على شبكة اجتماعية حقيقية، باتت احتياجاتنا تُلبّى عبر خدمات مدفوعة: من رعاية الأطفال إلى رعاية المسنين، ومن التوصيل إلى الدعم اليومي، ورغم أن هذه الخدمات تسهّل الحياة، فإنها لا تمنحنا الإشارة العاطفية الأهم: أننا مهمون لبعضنا البعض.
وتشير والاس إلى أن الأبحاث تؤكد أن الرضا والصمود النفسي لا يُبنى على الراحة وحدها، بل على عمق العلاقات الإنسانية، وعلى الإحساس بالدعم المتبادل الذي لا يمكن شراؤه.
العطاء لا يستنزف… بل يمنح طاقة
على عكس الاعتقاد السائد، لا ترى والاس أن مساعدة الآخرين عبء إضافي يستنزف ما تبقى من طاقتنا، فطاقة الإنسان، في نظرها، تشبه العضلة أكثر مما تشبه الحساب البنكي، حين نقوم بأفعال دعم صغيرة داخل أسرنا أو مجتمعاتنا، فإننا لا نفقد الطاقة، بل نكتسبها، لأن الإحساس بالهدف والقدرة على التأثير يغذّي الداخل بدل أن يفرغه.
مقدمو الرعاية… وأهمية أن يكونوا مرئيين
تلفت والاس الانتباه إلى فئة غالبًا ما تُهمل احتياجاتها: مقدمو الرعاية، سواء كانوا آباءً لأطفال صغار أو أبناءً يعتنون بوالديهم المسنين، فالإرهاق، بحسب رؤيتها، لا ينشأ فقط من كثرة العطاء، بل من غياب الشعور بأن هذا العطاء مُقدَّر ومقابَل، وهنا تبرز أهمية وجود أشخاص يذكّرون مقدمي الرعاية بقيمتهم، حتى إن لم يكن من يعتنون بهم قادرين على رد الجميل.
الأصدقاء… أوكسجين الحياة
في هذا السياق، تضع والاس الأصدقاء في قلب معادلة الرضا الإنساني، فالصمود الحقيقي، كما تؤكد، لا يتحقق عبر طقوس سطحية للرعاية الذاتية، بل عبر العلاقات، وتشير إلى دراسات تُظهر أن قضاء ساعة واحدة أسبوعيًا مع أشخاص يجعلوننا نشعر بأننا مرئيون ومفهومون، كفيل برفع مستوى الرضا والطاقة النفسية.
الرعاية الذاتية كفعل مسؤول
تختتم والاس رؤيتها بالتأكيد على أن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل ضرورة استراتيجية، وإدراج احتياجاتنا ضمن قائمة أولوياتنا لا يعني تجاهل الآخرين، بل يمنحنا القدرة على الاستمرار في العطاء دون استنزاف، فالحياة المليئة بالرضا، في جوهرها، ليست حياة خالية من المسؤوليات، بل حياة يشعر فيها الإنسان بأنه مهم… ويُعامِل نفسه على هذا الأساس.
اقرأ أيضًا:
رعاية الأحفاد.. درع خفي لكبار السن يبطئ تدهور الدماغ










