يعد السرطان في الأدبيات الطبية الحديثة مجموعة من الأمراض المعقدة التي تنشأ عن اختلال في الوظائف الحيوية الأساسية للخلية.
ويؤدي هذا الخلل الجزيئي إلى نمو غير منضبط وقدرة فائقة على غزو الأنسجة المجاورة والانتشار عبر الجهاز اللمفاوي والدورة الدموية.
وتبدأ الرحلة السرطانية عند حدوث طفرات في الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين DNA، وهي طفرات قد تكون موروثة أو مكتسبة نتيجة التعرض لعوامل بيئية مسرطنة.
وتؤدي هذه الطفرات إلى تنشيط الجينات الورمية "Oncogenes" أو تثبيط الجينات الكابتة للأورام، مما يعطل عملية الموت المبرمج للخلايا ويسمح بتراكم الخلايا الشاذة.
تصنيفات السرطان والخصائص السريرية
تتنوع أنواع السرطان بناءً على المنشأ النسيجي والخصائص الجزيئية، ويعد هذا التصنيف حجر الزاوية في بناء أي استراتيجية علاجية.
يقسم العلماء الأورام إلى سرطانات تصيب الأنسجة الظهارية (الكارسينوما)، وأخرى تصيب الأنسجة الضامة (الساركوما)، بالإضافة إلى سرطانات الدم (اللوكيميا والليمفوما).
ويحتل سرطان الرئة الصدارة كأكثر الأنواع شيوعًا وفتكًا على المستوى العالمي، حيث سُجلت نحو 2.5 مليون حالة جديدة في عام 2024.
وتكمن خطورة هذا النوع في تأخر ظهور الأعراض، مما يجعل الكشف المبكر عبر الأشعة المقطعية منخفضة الجرعة ضرورة حتمية للمدخنين.
ويلي ذلك سرطان القولون والمستقيم، الذي يمثل تحديًا صحيًا كبيرًا نظرًا لارتباطه الوثيق بالأنظمة الغذائية الحديثة، حيث يُسجل سنويًا نحو 1.9 مليون حالة جديدة.
ويظل سرطان الثدي هو الأكثر انتشارًا بين النساء عالميًا وفي منطقة الخليج العربي، حيث يُقدر عدد الحالات الجديدة بنحو 2.3 مليون حالة سنويًا.
ومن جهة أخرى، يبرز سرطان البروستاتا كأحد أكثر الأورام شيوعًا لدى الرجال، مع وجود فرص شفاء عالية جدًا عند التشخيص المبكر، إلا أنه يتطلب متابعة مستمرة لمستويات مستضد البروستاتا النوعي "PSA".
مسببات مرض السرطان
تشير الدراسات الوبائية أن السرطان نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد الوراثي والمؤثرات الخارجية، حيث تنقسم مسبباته إلى ثلاث فئات رئيسية، اولها العوامل الفيزيائية كالإشعاع، وثانيها الكيميائية كملوثات الغذاء والتبغ، وثالثها البيولوجية كالفيروسات والطفيليات.
ويحتوي دخان التبغ على أكثر من 7000 مادة كيميائية، ثبت أن 250 منها ضارة بالصحة، و69 مادة تسبب السرطان بشكل مباشر عبر إحداث طفرات في الجين الكابت للأورام "P53"، وتؤكد الإحصائيات أن 85% من وفيات سرطان الرئة تعود مباشرة للتدخين الإيجابي.
ويُصنف الكحول كمسرطن من المجموعة الأولى، حيث يرتبط بسبعة أنواع من الأورام تشمل المريء والكبد والثدي والقولون، كما تلعب السمنة دوراً محورياً في زيادة خطر الإصابة، إذ تؤدي زيادة كتلة الجسم إلى حالة من الالتهاب المزمن وارتفاع مستويات الأنسولين وعامل النمو الشبيه بالأنسولين، مما يحفز نمو الخلايا السرطانية في الكلى وبطانة الرحم والقولون.
وتُعزى نحو 25% من حالات السرطان في البلدان منخفضة الدخل إلى الإصابة بالعدوى، مثل فيروس التهاب الكبد وفيروس الورم الحليمي البشري.
ويمثل التعرض الطويل للأشعة فوق البنفسجية "UV" دون وقاية سببًا رئيسيًا لسرطانات الجلد، مثل سرطان الخلايا القاعدية والميلانوما.
استراتيجيات الوقاية من السرطان
تشير منظمة الصحة العالمية إلى إمكانية الوقاية من 30% إلى 50% من حالات السرطان عبر تبني استراتيجيات وقائية شاملة.
وتتوزع هذه الاستراتيجيات بين الوقاية الأولية بمنع حدوث المرض والوقاية الثانوية بالكشف المبكر، بينما تعد التغييرات في نمط الحياة الركيزة الأساسية للوقاية، وتشمل الإقلاع التام عن التدخين، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام لتنظيم مستويات الهرمونات والتمثيل الغذائي.
ويعد النظام الغذائي الغني بالألياف والفاكهة والخضروات حاسماً في حماية الجهاز الهضمي، حيث تسهم الألياف في تقليل زمن تلامس المواد المسرطنة مع جدار القولون.
وتبرز برامج التحصين كأدوات وقائية فعالة، حيث يقلل لقاح التهاب الكبد "B" ولقاح "HPV" من مخاطر سرطان الكبد وعنق الرحم على التوالي.
أما الكشف المبكر، فيعتمد على الفحوصات الدورية مثل الماموجرام لسرطان الثدي، وتنظير القولون واختبارات البراز المناعية لسرطان القولون، واختبار مسحة عنق الرحم.
نسب الشفاء من مرض السرطان ومعدلات البقاء
تعتمد نسب الشفاء بشكل كلي على نوع الورم ومرحلته السريرية عند التشخيص، وبفضل التقدم في برامج الكشف المبكر، شهدت معدلات الشفاء تحسنًا ملموسًا.
وتصل نسب الشفاء من سرطان الثدي عند الكشف المبكر إلى ما يقارب 98%، وبالمثل، فإن سرطان الغدد اللمفاوية (ليمفوما هودجكين) يحقق نسب شفاء عالية جداً تتراوح بين 85% و90% في المراحل الأولى.
وعلى الرغم من نجاح العلاج الأولي، تظل مخاطر الانتكاس قائمة في بعض الأنواع، مثل سرطان الرئة الذي قد يعود في 30% إلى 50% من الحالات حسب مرحلة المرض.
وتصل نسبة العودة في اللوكيميا النخاعية الحادة إلى 50%، مما يتطلب استخدام الخزعات السائلة واختبارات الحد الأدنى من المرض المتبقي لمراقبة هذه الحالات.
وتظل نسب الشفاء من سرطان البروستاتا عند الكشف المبكر عالية جدًا، مع احتمالية انتكاس تتراوح بين 20% إلى 30%.
تحول شامل في السعودية
تشهد السعودية تحولًا صحيًا جذريًا ضمن رؤية 2030، حيث يتم التركيز على جودة الحياة ورفع متوسط العمر المتوقع.
وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة بالسرطان في المملكة لا تزال أقل من المستويات العالمية، إلا أن هناك اتجاهًا تصاعديًا يتطلب اليقظة.
وتظهر إحصائيات السجل الوطني للأورام تصدر سرطان الثدي قائمة الإصابات بين النساء، بينما يبرز سرطان القولون والمستقيم كأكثر الأنواع شيوعًا بين الرجال.
ومن الملاحظ أن متوسط العمر عند الإصابة بالسرطان في المملكة يقل بنحو عقد من الزمان عن المعدلات الغربية، حيث يبلغ متوسط عمر الإصابة بسرطان الثدي 50 عامًا، وسرطان القولون نحو 60 عامًا للرجال.
وتكشف أحدث البيانات الصحية عن تباين جغرافي؛ حيث تحتل المنطقة الشرقية المرتبة الأولى في معدل الإصابات بسرطان الثدي (46.7 لكل 1000)، تليها منطقة الرياض (33.8).
ومن المتوقع أن يرتفع عدد الحالات الجديدة في المملكة من 27,885 في عام 2020 إلى حوالي 60,429 حالة بحلول عام 2040 نتيجة نمو السكان وتغير التركيبة العمرية نحو الشيخوخة.
واستجابةً لهذه التحديات، أطلقت المملكة "مستشفى صحة الافتراضي" الذي يربط أكثر من 170 مستشفى لتوفير استشارات الأورام التخصصية عن بُعد وتقليص فوارق الوصول للرعاية.
ويهدف برنامج الجينوم السعودي إلى فحص الشيفرة الوراثية للمجتمع للتعرف على الطفرات المسببة لأمراض السرطان وتطبيق الطب الشخصي الذي يرفع نسب الشفاء ويقلل الآثار الجانبية.
وتتضمن الرؤية خصخصة مئات المستشفيات والمراكز الصحية لرفع كفاءة الخدمات. كما تم إبرام شراكات استراتيجية مع شركات عالمية لتعزيز قطاع التكنولوجيا الحيوية والأبحاث السريرية محليًا.
أحدث العلاجات والابتكارات ضد السرطان
يشهد المجال الطبي طفرة غير مسبوقة، حيث انتقل الطب من العلاجات الشمولية إلى العلاجات الشخصية الدقيقة.
ولم تعد تقنية mRNA محصورة في اللقاحات الوقائية، بل أصبحت أداة علاجية قوية تضاعف فرص البقاء على قيد الحياة للمرضى.
وتعمل هذه اللقاحات كمنبه للجهاز المناعي، مما يسهل على مثبطات نقاط التفتيش المناعية التعرف على الخلايا السرطانية وتدميرها.
وتمثل الأجسام المضادة المترافقة مع الأدوية "ADCs" تحولًا في آليات التوصيل الدقيق للدواء، حيث تستهدف الخلايا السرطانية مباشرة دون إلحاق ضرر بالأنسجة السليمة.
مستقبل علاج السرطان
يتجه المستقبل نحو تصحيح الخلل الجيني في منبعه باستخدام تقنيات متطورة مثل كريسبر "CRISPR−Cas3" و"Cas9".
وتعد تقنية كريسبر بتقديم علاجات "لمرة واحدة" عبر تحرير الجينات المسببة للمرض وحذف مساحات واسعة من الجينات المسرطنة دون إحداث طفرات عشوائية.
وفي دراسات حديثة، تم استخدام كريسبر لتعطيل جين المسؤول عن مقاومة العلاج الكيميائي، مما أدى إلى استعادة حساسية الأورام للعلاج وتقلصها.
وتتطور تقنية العلاج بالخلايا التائية "CAR−T" لتصبح علاجات "جاهزة" باستخدام خلايا من متبرعين أصحاء، مما يقلل من وقت الانتظار والتكلفة.
وفي عام 2026، حصلت عقارات تعتمد هذه التقنية على تصنيفات "علاج اختراقي" لعلاج أورام الخلايا التائية الخبيثة، كما أصبح الذكاء الاصطناعي محركًا أساسيًا في كل مرحلة، من الكشف المبكر المعتمد على التعلم العميق إلى تحديد الجرعات الدقيقة.
وتستخدم أنظمة مثل "ميراي" في المملكة للكشف غير الجراحي عن سرطان الثدي بدقة تتجاوز التشخيص البشري في بعض الأحيان.













