لطالما بُنيت إرشادات التمارين الرياضية على افتراض أن أجسام الرجال والنساء تستجيب للنشاط البدني بالطريقة نفسها تقريباً، غير أن أبحاثاً حديثة بدأت تُشكك في هذا التصور، مشيرة إلى أن النساء قد يحققن فوائد صحية أكبر من ممارسة الرياضة مقارنةً بالرجال، خاصة فيما يتعلق بصحة القلب وانخفاض خطر الوفاة المبكرة، وحتى عند ممارسة عدد أقل من دقائق التمارين أسبوعياً.
هذه النتائج تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى دقة الإرشادات الموحدة الحالية، وما إذا كانت بحاجة إلى مراجعة تأخذ في الاعتبار الاختلافات البيولوجية بين الجنسين.
فوائد قلبية أوضح لدى النساء عند ماارسة التمارين الرياضية
تشير دراسات واسعة النطاق نُشرت خلال العامين الماضيين إلى نمط متكرر: النساء اللواتي يمارسن التمارين الرياضية بانتظام يحققن انخفاضاً أكبر في معدلات الإصابة بأمراض القلب والوفيات مقارنةً بالرجال عند مستويات متشابهة من التمارين.
إحدى هذه الدراسات، المنشورة عام 2024 في مجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب، حللت بيانات أكثر من 400 ألف بالغ، ووجدت أن ممارسة النشاط البدني ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة بنسبة أعلى لدى النساء مقارنة بالرجال، واللافت أن النساء حققن أقصى استفادة صحية عند ممارسة ما يقارب نصف الوقت الذي احتاجه الرجال للوصول إلى مستوى مشابه من الحماية.
كما أظهرت النتائج أن الفوائد استمرت بالازدياد لدى النساء مع ارتفاع مدة النشاط الأسبوعي، سواء في التمارين الهوائية أو تمارين المقاومة.
تأكيد من بيانات الأجهزة القابلة للارتداء
وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2025 في مجلة Nature، استخدم الباحثون بيانات من أجهزة قابلة للارتداء لمتابعة مستويات النشاط البدني وعلاقتها بأمراض القلب التاجية، وأكدت النتائج أن النساء كن أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب عند الالتزام بالتوصيات الرياضية مقارنة بالرجال، واتسعت الفجوة كلما زادت مدة النشاط الأسبوعي.
ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج ظلت ثابتة حتى بعد الأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل العمر، والتدخين، ومؤشر كتلة الجسم، والوضع الصحي العام.
لماذا تستجيب أجسام النساء بشكل أقوى؟
رغم أن الآليات الدقيقة لا تزال غير مفهومة بالكامل، إلا أن أطباء القلب يرجحون وجود عدة عوامل متداخلة، من بينها تحسن أكبر في مستويات الكوليسترول الجيد، ووظائف الأوعية الدموية، وقدرة الجسم على التكيف الأيضي مع الجهد البدني.
يلعب هرمون الإستروجين دوراً محتملاً في هذا السياق، إذ تشير أبحاث سابقة إلى أن له تأثيرات وقائية على القلب، مثل تحسين تدفق الدم وتقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وقد يعزز التمرين الرياضي هذه التأثيرات الطبيعية، خاصة لدى النساء قبل سن اليأس.
كما يُعتقد أن الاختلافات في حجم الجسم وتركيب الجهاز القلبي الوعائي قد تجعل استجابة النساء للتمارين أكثر كفاءة، نظراً لصغر حجم القلب والأوعية الدموية مقارنة بالرجال.
ما الذي تعنيه هذه النتائج؟
لا تعني هذه النتائج أن النساء بحاجة إلى تقليل ممارسة الرياضة، بل على العكس تماماً، إذ تُظهر البيانات أن نسبة كبيرة من النساء لا يصلن أصلاً إلى الحد الأدنى الموصى به من النشاط البدني، رغم أن زيادة الحركة قد تمنحهن فوائد صحية أكبر بكثير.
كما تكتسب هذه النتائج أهمية طبية، إذ تُحال النساء المصابات بأمراض القلب إلى برامج إعادة التأهيل الرياضي بمعدلات أقل من الرجال، رغم ما تشير إليه الأبحاث من استفادتهن الكبيرة من التمارين.
نحو توصيات أكثر دقة حول التمارين الرياضية المناسبة للجنسين
تدعم هذه الدراسات الدعوة إلى تطوير إرشادات رياضية أكثر تخصيصاً، تأخذ في الاعتبار الاختلافات البيولوجية بين الجنسين بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد للجميع، حيث يحتاج الرجال إلى جرعات أعلى من التمارين لتحقيق الفائدة نفسها.
ويؤكد الخبراء أن فهم فسيولوجيا التمارين لدى النساء لا يزال في بدايته، لكنه يمثل خطوة مهمة نحو توصيات صحية أكثر عدلاً وفعالية للجميع.
يمكنك أن تقرأ أيضًا:
تعلم لغة ثانية.. لماذا قد يحمي دماغك؟













