بينما أفلست عشرات الآلاف من الشركات خلال فترة الكساد الكبير في القرن العشرين، استمر ويليام ريجلي الابن في جني الأرباح من إمبراطورية العلكة الخاصة به، والتي شملت علامتي "جوسي فروت" و"سبيرمينت"، وقال ريجلي في تصريحات ترويجية آنذاك: "أعتقد أن الناس يمضغون بقوة أكبر عندما يكونون حزينين".

لم تكن العلكة مجرد وسيلة لإنعاش النفس، بل كانت تُسوَّق كأداة لتهدئة الأعصاب، فقد جاء في إعلان عام 1918: "إنها تُهدئ الأعصاب"، ومع مرور الوقت، عادت الشركات لتسويق العلكة كوسيلة لتحفيز العقل، حيث انخفضت مبيعات العلكة في السنوات الأخيرة، خاصة خلال جائحة كورونا، ولمواجهة هذا الانخفاض، بدأت الشركات في إعادة العلكة إلى الأسواق بوصفها علاجًا للعقل، مع وعود بأن مضغها يخفف الأفكار المزعجة ويساعد على تجاوز المشكلات اليومية.

تاريخ العلكة وانتشارها

صنع البشر العلكة منذ آلاف السنين، وقد وُثّقت هذه العادة في مختلف الثقافات، وتعود أقدم أنواع العلكة المكتشفة إلى نحو 8000 عام في الدول الإسكندنافية، حيث كان الصيادون يمضغون راتنج لحاء البتولا، ويكمن الأثر الأكثر إثارة في أن بعض من يمضغون هذه المواد كانوا أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات، ما يشير إلى استخدامها للمتعة وليس لغرض عملي.

كما استخدم الإغريق القدماء وسكان أمريكا الأصليون والمايا موادًا لزجة من الأشجار، مثل الشيكلي المستخرج من شجرة السابوديلا، ووصلت العلكة إلى الولايات المتحدة عندما حصل مخترع من نيويورك على بعض مادة "تشيكل" من رئيس مكسيكي منفي، وحاول في البداية استخدامها كبديل للمطاط، قبل أن يبدأ تصنيع العلكة كمستحضر استهلاكي.

لعب ويليام ريجلي دورًا رئيسيًا في انتشار العلكة في أمريكا، فكان يوزعها في البداية كهدية مع منتجاته، ثم لاحظ أهميتها التسويقية وخصص جهوده بالكامل لها، وابتكر ريجلي حملات دعائية ضخمة شملت لوحات إعلانية وأرسلت العلكة إلى كل عنوان في دليل الهاتف الأمريكي، ما ساهم في تحويلها إلى ظاهرة شعبية.

العلكة والحروب العالمية

خلال الحرب العالمية الأولى، قامت شركة ريجلي بتزويد الجيش الأمريكي بالعلكة، معتبرةً أنها تساعد الجنود على التغلب على الجوع وتنظيف الأسنان، بالإضافة إلى تخفيف التوتر النفسي، ومع عودة الجنود إلى بلادهم، انتشرت العلكة عالميًا، وباتت جزءًا من الثقافة اليومية، مع قصص عن فوائدها المزعومة للصحة النفسية.

وفي عام 1916، نشرت مقالات دعائية للعلكة، قائلة: "هل أنت قلق؟ امضغ علكة. هل تعاني من الأرق؟ امضغ علكة."، واستمرت هذه الفكرة لعقود، إذ وجدت دراسة في أربعينيات القرن العشرين أن مضغ العلكة يقلل التوتر ويزيد القدرة على إنجاز المهام، لكنه لم يحدد السبب بدقة.

ماذا يقول العلم الحديث عن العلكة والدماغ؟

لا يزال إرث ريجلي قائمًا، فقد أنشأت الشركة معهدًا لدراسة العلكة وتمويل الأبحاث العلمية حول تأثيرها على العقل، وأجرى أندرو سميث، عالم النفس بجامعة كارديف، أبحاثًا لمدة 15 عامًا أظهرت أن مضغ العلكة لا يعزز الذاكرة بشكل كبير، لكنه يزيد اليقظة والانتباه بنسبة تقارب 10%.

كما أكدت كريستال هاسكل-رامزي، أستاذة علم النفس البيولوجي، أن مضغ العلكة يساعد على التركيز أثناء المهام المملة، لكنه قد لا يضيف فائدة كبيرة إذا كان الشخص يقظًا مسبقًا.

وأظهرت تجارب أخرى انخفاض مستويات التوتر لدى من يمضغون العلكة قبل الاختبارات أو العمليات الجراحية، لكنها لم تخفف القلق في حالات التوتر الشديد، مثل العمليات القيصرية.

أفضل النظريات لتفسير تأثير المضغ

يبقى لغز العلكة قائمًا: كيف يمكن لحركة الفك أن تحسن الانتباه وتخفف التوتر؟ إحدى النظريات تشير إلى أن المضغ يزيد تدفق الدم إلى الدماغ، مما يعزز نشاطه، وأخرى تربط بين تنشيط عضلات الوجه والانتباه المستمر.

كما قد يقلل المضغ من التركيز على مصادر التوتر الخارجية، مؤثرًا على محور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية المسؤول عن الاستجابة للتوتر.

العلكة وسلوك التململ

تشبه العلكة حركات التململ الأخرى، مثل النقر بأصابع القدم أو الضغط على كرة تخفيف التوتر، إذ تساعد على التركيز أثناء المهام الطويلة، وأظهرت الدراسات أن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة والانتباه الذين يُسمح لهم بالتحرك حققوا أداءً أفضل، وهو ما يشير إلى أن المضغ قد يكون شكلاً من أشكال التململ المفيد للعقل.

العلكة بين المتعة والفائدة

في النهاية، يبدو أن العلكة تساعد العقل بطريقة غير مباشرة، عبر توفير وسيلة للتفكير والمضغ معًا، وهو ما تشبهه الباحثة ماثيوز بالتأمل الذهني، ورغم الصعوبات التي تواجه صناعة العلكة حاليًا، من غير المرجح أن تختفي العادة، سواء لأثرها النفسي الخفيف أو لتعلق الناس بها.

يمكنك أن تقرأ أيضًا:

تعلم لغة ثانية.. لماذا قد يحمي دماغك؟

الإضاءة الليلية الزائدة.. تهديد خفي لصحة قلبك

لماذا يعتبر النوم أكثر أهمية من الغذاء والرياضة في إطالة العمر؟