يمر الجزء الأكبر من السلع المتداولة بين دول العالم عبر البحر، من الطاقة والغذاء والمواد الخام إلى السلع المصنعة، ما يجعل النقل البحري حلقة أساسية في عمل الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في الممرات البحرية الرئيسية يمكن أن يمتد أثره من تأخر الشحنات إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، ثم ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد.

وبحسب البنك الدولي، ينقل الشحن البحري نحو 70% من قيمة التجارة العالمية وحوالي 80% من حجمها، ما يوضح حجم الاعتماد العالمي على هذه المنظومة.

أظهرت أحدث بيانات "الأونكتاد" أن 12.1 مليار طن من البضائع جرى تحميلها للتجارة البحرية الدولية حول العالم خلال 2024، بزيادة 3.9% مقارنة بعام 2023. ووصف منظمة تابعة للأمم المتحدة UNCTAD هذا النمو بأنه أعلى من متوسط النمو منذ عام 2000، رغم التذبذب الذي شهدته التجارة البحرية خلال السنوات الأخيرة.

وتشمل هذه الحركة كميات ضخمة من المواد الخام ومدخلات الإنتاج والسلع النهائية، ما يجعل النقل البحري جزءًا من مراحل متعددة في سلاسل القيمة العالمية، وليس مجرد وسيلة لنقل المنتجات بين الموانئ. وعلى مستوى التجارة العالمية ككل، تجاوزت قيمة تجارة السلع والخدمات 35 تريليون دولار في 2025، مسجلة مستوى قياسيًا جديدًا، وفق "الأونكتاد". وشكلت تجارة السلع نحو ثلاثة أرباع القيمة الإجمالية، بينما استحوذت الخدمات على الباقي.

لماذا يعتمد الاقتصاد العالمي على البحر؟

تتمثل إحدى أهم مزايا النقل البحري في قدرته على نقل كميات ضخمة من البضائع لمسافات طويلة، وربط مناطق الإنتاج بمراكز التصنيع والأسواق الاستهلاكية. ويشير البنك الدولي إلى أن أكثر من 80% من السلع المتداولة عالميًا تُنقل بحرًا، بينما تعتمد الدول النامية بصورة كبيرة على الشحن والموانئ للوصول إلى الأسواق العالمية. ولا تقتصر أهمية هذه الحركة على التجارة النهائية؛ فالسفن تنقل المواد الخام والسلع الوسيطة التي تحتاج إليها المصانع، ثم تنقل المنتجات إلى الأسواق، ما يجعل انتظام النقل البحري عاملًا مؤثرًا في استمرار الإنتاج وتدفق السلع.

تظهر حساسية التجارة العالمية تجاه الممرات البحرية عند اضطراب أحد طرق الملاحة الرئيسية. فعندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، تطول الرحلات ويزداد استهلاك الوقود ووقت الإبحار وتكاليف التشغيل والتأمين. وقد أظهرت اضطرابات البحر الأحمر هذه العلاقة بوضوح؛ إذ أدى تجنب السفن للمنطقة إلى إعادة توجيهها حول رأس الرجاء الصالح، ما أطال مسافات الرحلات وزاد الحاجة إلى السفن والطاقة الاستيعابية لنقل الكميات نفسها من البضائع. وأشارت "الأونكتاد" إلى أن هذه التحويلات ساهمت في زيادة المسافات التي تقطعها البضائع وارتفاع تكاليف النقل.

هرمز.. مثال على انتقال الصدمة إلى الاقتصاد

يوضح مضيق هرمز مدى ارتباط التجارة البحرية بأسواق الطاقة العالمية؛ إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، وفق UNCTAD. ومع اضطرابات الملاحة في المضيق خلال 2026، ارتفعت أسعار ناقلات النفط وتكاليف الوقود البحري وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وفق المنظمة، ما زاد تكلفة النقل.

وفي تحديث لاحق صدر في أبريل 2026، قالت "الأونكتاد" إن حركة السفن عبر المضيق انخفضت من نحو 130 سفينة يوميًا في فبراير إلى 6 سفن فقط في مارس، أي تراجع بنحو 95%، مع انتقال آثار الاضطراب إلى أسواق الطاقة والنقل والتجارة العالمية.

لا تتوقف كفاءة التجارة البحرية عند قدرة السفن على الإبحار؛ فالموانئ تمثل نقطة انتقال أساسية بين النقل البحري وبقية مراحل سلسلة الإمداد. ويشير البنك الدولي إلى أن الموانئ تتعامل مع نحو 80% من التجارة العالمية من حيث الحجم، ما يجعل كفاءتها عاملًا مهمًا في القدرة التنافسية وموثوقية سلاسل الإمداد. كما يعتمد مؤشر أداء موانئ الحاويات، الذي يصدره البنك الدولي وS&P Global، على الوقت الذي تقضيه سفن الحاويات داخل الموانئ لقياس كفاءتها التشغيلية.

وتساعد الموانئ الأكثر كفاءة على تقليل التأخيرات وتحسين تدفق البضائع، بينما يمكن أن يؤدي التكدس وطول فترات الانتظار إلى زيادة تكاليف النقل والتخزين وإرباك مواعيد التوريد.

كيف تدعم التجارة البحرية استقرار الاقتصاد؟

تدعم التجارة البحرية استقرار الاقتصاد من خلال ضمان استمرار تدفق السلع والطاقة والغذاء والمواد الخام والسلع المصنعة إلى الأسواق، بما يدعم الإنتاج والاستهلاك ويحافظ على سلاسل الإمداد. كما يسهم انتظام حركة السفن واستقرار طرق الملاحة في الحد من مخاطر التأخير ونقص المدخلات، وتقليل تكاليف النقل الناتجة عن تغيير المسارات أو زيادة مسافات الرحلات واستهلاك الوقود والتأمين. ويساعد استقرار النقل البحري كذلك على الحد من ضغوط الأسعار، إذ يمكن أن تنتقل زيادة تكاليف الشحن والطاقة والخدمات اللوجستية إلى أسعار السلع، فضلًا عن دوره في ربط المنتجين والمستهلكين بالأسواق العالمية وتوفير المواد والمدخلات اللازمة للإنتاج.