لم تعد حركة التجارة العالمية مرتبطة فقط بقدرة السفن على الإبحار والوصول إلى الموانئ، بل أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة باستقرار الممرات البحرية التي تعبرها. فمن مضيق هرمز، إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس التي تربط آسيا بأوروبا، يمكن لأي حادث أمني أو توتر جيوسياسي في أحد هذه الممرات أن يتحول سريعًا إلى أزمة تمتد تداعياتها إلى التجارة والأسواق حول العالم.
وتكشف التطورات الأخيرة أن أمن الممرات البحرية لم يعد شأنًا يخص الدول المطلة عليها وحدها، إذ تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD أن أكثر من 80% من تجارة السلع العالمية من حيث الحجم تنتقل بحرًا، وبالتالي فإن اضطراب أي نقطة اختناق بحرية ينعكس سريعًا على تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
تفاهمات دولية لحماية حرية الملاحة
تستند حماية الممرات البحرية إلى مجموعة من القواعد الدولية التي تهدف إلى ضمان استمرار الملاحة وعدم تحويل المضائق والممرات الدولية إلى نقاط يمكن تعطيل حركة السفن فيها بسبب التوترات السياسية.
ويأتي في مقدمة هذه القواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS"، التي تنص على حق السفن في المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وتؤكد أن هذا المرور لا يجوز عرقلته أو تعليقه. كما تلزم الاتفاقية الدول المطلة على المضائق بعدم إعاقة المرور العابر، مع التزامها بالإعلان عن أي مخاطر ملاحية معروفة لديها.
وفي يوليو 2026، أعاد مجلس المنظمة البحرية الدولية، التأكيد على أهمية الحفاظ على حقوق وحريات الملاحة وفقًا للقانون الدولي، مشددًا على أن حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية يجب ألا يكون محل تهديد أو عرقلة أو تعليق. وأكد المجلس، خلال دورته الـ137، أن الترتيبات المتعلقة بالمضائق الدولية يجب أن تضمن مرور السفن بصورة غير تمييزية ودون عوائق، مع الالتزام بقواعد المنظمة البحرية الدولية واتفاقية "سولاس" الخاصة بسلامة الأرواح في البحار.
ولا تقتصر حماية الممرات على القواعد القانونية، بل تمتد إلى التعاون بين الدول وتبادل المعلومات ورفع قدرات أجهزة الأمن والموانئ والاستجابة للحوادث. وفي البحر الأحمر، تنفذ المنظمة البحرية الدولية برامج ومشروعات لتعزيز الأمن البحري بالتعاون مع جهات دولية وإقليمية، بهدف دعم قدرات الدول على حماية الموانئ والملاحة ومواجهة المخاطر الأمنية التي تؤثر على حرية الملاحة.
هرمز.. نقطة اختناق تهدد تجارة الطاقة
يظهر تأثير التوترات الجيوسياسية على التجارة بصورة واضحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، بحسب UNCTAD.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة خلال 2026، تعرضت حركة الملاحة عبر المضيق لاضطرابات حادة، ما أدى إلى تراجع كبير في حركة السفن. ووفق تقييم UNCTAD أبريل 2026، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق من نحو 130 سفينة يوميًا في فبراير إلى 6 سفن فقط في مارس، بتراجع يقارب 95%. ولم تتوقف تداعيات الاضطراب عند السفن التي تعبر المضيق، إذ امتدت إلى أسواق الطاقة والنقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية، مع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتأمين.
باب المندب والبحر الأحمر
في الجهة الأخرى من المنطقة، يمثل باب المندب حلقة أساسية في الطريق البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم قناة السويس والبحر المتوسط. وتصف المنظمة البحرية الدولية البحر الأحمر بأنه ممر بحري حيوي للتجارة الدولية، محذرة من أن الهجمات على السفن تهدد سلامة البحارة وأمن الملاحة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
ومع تصاعد المخاطر الأمنية، لجأت شركات ملاحية إلى إعادة توجيه سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر وباب المندب، واستخدام طريق رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا. وأوضحت UNCTAD أن اضطرابات البحر الأحمر أدت إلى تحويل مسارات سفن على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا وآسيا والمحيط الأطلسي، وهو ما زاد المسافات التي تقطعها السفن ورفع تكاليف الوقود والتشغيل والتأمين.
اضطراب البحر الأحمر يصل إلى شريان التجارة
لم تكن قناة السويس بعيدة عن تداعيات أزمة البحر الأحمر، إذ أدى عزوف عدد من شركات الملاحة عن استخدام الطريق إلى إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني رحلات أطول واستهلاكًا أكبر للوقود وارتفاعًا في تكاليف التشغيل والتأمين.
وذكرت "الأونكتاد" أن حمولة السفن العابرة لقناة السويس ظلت في أوائل مايو 2025 أقل بنحو 70% من متوسط مستويات عام 2023، مع استمرار تأثير اضطرابات البحر الأحمر على حركة الملاحة. أكدت هيئة قناة السويس أن استمرار التوترات الأمنية في منطقة البحر الأحمر يؤثر على قرارات الخطوط الملاحية بشأن العودة إلى القناة.
وقالت الهيئة في مارس 2026 إن حركة الملاحة بالقناة تعمل بصورة منتظمة من الاتجاهين، مشيرة إلى أن تعليق بعض الخطوط الملاحية الكبرى عبورها للقناة يظل مؤقتًا ومرتبطًا بتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة. وفي يناير 2026، أعلنت هيئة قناة السويس تحسن مؤشرات الملاحة خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، إذ ارتفع عدد السفن العابرة 5.8%، والحمولات الصافية 16%، والإيرادات 18.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق.
من التوتر الجيوسياسي إلى ارتفاع فاتورة الشحن
عندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، لا يقتصر الأمر على زيادة عدد الأيام في البحر، بل تمتد التكلفة إلى الوقود وأجور الطواقم وتأجير السفن والتأمين. وتشير "الأونكتاد" إلى أن إطالة طرق الإبحار رفعت تكاليف الوقود والأجور والتأمين واستئجار السفن، كما زادت الطلب العالمي على نقل السفن بالحجم نفسه من البضائع بسبب زيادة المسافات.
وخلال أزمة البحر الأحمر، ارتفعت أسعار الشحن بصورة كبيرة. وذكرت "الأونكتاد" أن مؤشر شنغهاي للحاويات "SCFI" تجاوز ضعف مستواه في أواخر 2023 بحلول منتصف 2024، بينما ظلت الأسعار في أكتوبر 2024 أعلى بنسبة 115% من متوسط ما قبل جائحة كورونا.
مع ارتفاع المخاطر الأمنية، تصبح شركات التأمين أمام احتمال أكبر لتحمل خسائر مرتبطة بالحرب أو الهجمات أو الأضرار التي قد تلحق بالسفن والبضائع. ولهذا ترتفع أقساط التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب في المناطق التي تشهد توترات، وهو ما يضيف تكلفة جديدة إلى الرحلة البحرية حتى قبل وصول السفينة إلى وجهتها.
وفي تقييمها لأزمة مضيق هرمز، أشارت "الأونكتاد" إلى ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الوقود البحري وأقساط التأمين نتيجة اضطراب حركة الملاحة.
كما أشارت هيئة قناة السويس في يناير 2026، نقلًا عن ممثلين للخطوط والتوكيلات الملاحية، إلى أن خفض تكلفة التأمين البحري على السفن العابرة لمنطقة البحر الأحمر يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تساعد في تشجيع الخطوط الملاحية على العودة إلى مسار قناة السويس.
لماذا تمتد أزمة ممر بحري إلى الاقتصاد العالمي؟
تكمن خطورة الممرات البحرية في أنها تعمل كحلقات مترابطة داخل شبكة تجارة واحدة. فإذا تعطل أحدها، لا تتوقف التجارة بالضرورة، لكن السفن تبحث عن طرق بديلة، وهذه الطرق قد تكون أطول وأكثر تكلفة وأقل كفاءة. وتوضح "الأونكتاد" أن اضطراب نقاط الاختناق البحرية يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويدفع أسعار الطاقة والغذاء إلى الارتفاع، ويؤثر في سلاسل الإمداد وميزانيات الأسر، خاصة في الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات.
ومن هنا تتحول حماية الممرات البحرية من قضية أمنية تخص السفن والبحارة إلى قضية اقتصادية عالمية، لأن ضمان حرية الملاحة واستقرار هذه الطرق يساعد على إبقاء حركة السلع والطاقة منتظمة، ويحد من الصدمات التي تنتقل من البحر إلى الأسواق.




