تختلف الأنظمة الضريبية الأوروبية بشكل كبير في عدد الضرائب الفردية التي تفرضها كل دولة، إذ تتراوح من بضع عشرات إلى عدة مئات. وتكشف بيانات Tax Policy Associates لعام 2024 عن تفاوت كبير في عدد الضرائب الفردية بين الدول الأوروبية، مع تصدر فرنسا القائمة بفارق واسع عن باقي الدول.
ومن المهم الإشارة إلى أن عدد الضرائب لا يدل بالضرورة على مدى ثقل الضرائب المفروضة على الدولة، بل يوفر طريقة واحدة لمقارنة هيكل وتعقيد الأنظمة الضريبية الوطنية.
لماذا تفرض فرنسا هذا الكم الهائل من الضرائب؟
تعتبر فرنسا حالة شاذة بوضوح في التصنيف، إذ يبلغ عدد ضرائبها الفردية 348 ضريبة، وهو ما يزيد على ضعف عدد الضرائب في الدنمارك التي تحتل المرتبة الثانية بـ132 ضريبة، ويقارب أربعة أضعاف المتوسط الأوروبي البالغ نحو 90 ضريبة.
ومن بين 348 ضريبة تفرضها فرنسا، هناك 243 ضريبة منخفضة العائد، والتي تدر مجتمعة إيرادات ضئيلة نسبياً مقارنة بأكبر فئات الضرائب في البلاد. في المقابل، حققت ضرائب التوظيف أكثر من 800 مليار يورو في عام 2024، بينما أضافت الضرائب على السلع والخدمات 300 مليار يورو أخرى إلى الإيرادات.
الدول الأوروبية حسب عدد الضرائب
وتصدرت فرنسا الدول الأوروبية بفارق كبير، بعدما بلغ عدد الضرائب الفردية فيها 348 ضريبة، تلتها الدنمارك بـ132 ضريبة، ثم النمسا بـ117 ضريبة.
وجاءت بولندا في المركز الرابع بـ115 ضريبة، تلتها بلجيكا بـ112 ضريبة، ثم البرتغال بـ110 ضرائب، ورومانيا بـ109 ضرائب. وحلت سويسرا في المركز الثامن بـ98 ضريبة، تلتها المجر بـ93 ضريبة، ثم المملكة المتحدة بـ90 ضريبة.
وتساوت النرويج ولوكسمبورج وإيطاليا عند 89 ضريبة لكل منها، بينما جاءت إسبانيا وجمهورية التشيك بـ88 ضريبة لكل دولة. وحلت كرواتيا في المركز السادس عشر بـ86 ضريبة، تلتها سلوفينيا وقبرص بـ81 ضريبة لكل منهما. وفي المراكز الأخيرة بين الدول المذكورة، جاءت السويد وهولندا بـ74 ضريبة لكل دولة.
ضرائب متخصصة تزيد تعقيد النظام الفرنسي
أدت قرون من التسويات السياسية في مختلف الجمهوريات الفرنسية إلى فرض ضرائب عديدة متخصصة للغاية على قطاعات صناعية محددة. ورغم أنها لا تدر إيرادات كبيرة، فإنها تزيد من تعقيد النظام الضريبي الفرنسي. وتعد رسوم التأمين والتدريب، وضرائب الغرف التجارية، وحتى الضرائب النووية أو ضرائب المقامرة، من بين هذه الرسوم الأصغر الخاصة بكل صناعة.
والجدير بالذكر أن فرنسا تحتل المرتبة الثانية بعد الدنمارك فقط بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD" من حيث إجمالي إيراداتها الضريبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
أنظمة الضرائب في دول البلطيق
وعلى النقيض تماماً، نجد دول البلطيق الثلاث: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. ومن بين هذه الدول الثلاث، تسجل لاتفيا أعلى عدد من الضرائب الفردية بـ54 ضريبة، وهو رقم لا يزال أقل بكثير من المتوسط الأوروبي. وتعد إستونيا الأقل من حيث عدد الضرائب في أوروبا بـ34 ضريبة، أي أقل بواحدة من جارتها ليتوانيا التي تسجل 35 ضريبة.
وتحتل إستونيا المرتبة الأولى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مؤشر التنافسية الضريبية الدولية الصادر عن مؤسسة الضرائب، ويعود ذلك جزئياً إلى نظامها الضريبي البسيط، الذي يشمل تقديم الإقرارات الضريبية مسبقاً من جانب الحكومة المركزية. وتفرض إستونيا ضريبة دخل فردية ثابتة دون شرائح أو خصومات معقدة، بينما تخضع أرباح الشركات المعاد استثمارها لضريبة بنسبة 0%، مما يزيد من جاذبية البلاد للشركات.
غرابة الضرائب الألمانية
وبحسب تقرير نشره موقع "Visual Capitalist"، تعد ألمانيا مثالاً آخر مثيراً للاهتمام. فمع أن أكبر اقتصاد في أوروبا يجمع إيرادات ضريبية كبيرة، تعادل نحو 42% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن البلاد لا تفرض سوى 60 ضريبة فردية. وهذا العدد أقل من خُمس إجمالي الضرائب المفروضة على جارتها فرنسا، وهو أمر جدير بالملاحظة، لا سيما بالنظر إلى النظام الفيدرالي الألماني.
وساهمت الإصلاحات الكبرى التي أعقبت الحربين العالميتين في ترسيخ النظام الضريبي في ألمانيا. وأدى إصلاح أُجري في الفترة بين عامي 1919 و1920 عقب الحرب العالمية الأولى إلى توحيد الضرائب في جميع أنحاء البلاد، التي لم تكن قد توحدت إلا قبل عقود قليلة.
وبعد الحرب العالمية الثانية، عزز القانون الأساسي الجديد لألمانيا النظام الضريبي من خلال مركزية التشريعات الضريبية وتحديد كيفية توزيع عائدات بعض الضرائب المشتركة بين الحكومة الفيدرالية والولايات. وتفسر هذه الإصلاحات جزئياً سبب امتلاك ألمانيا أحد أصغر الأنظمة الضريبية في أوروبا من حيث عدد الضرائب الفردية.



