تُعدّ الأسواق المالية أحد المقومات الأساسية للاقتصادات الوطنية المعاصرة، لما تضطلع به من دور فاعل في جذب فوائض رؤوس الأموال المعطلة واستثمارها في قطاعات اقتصادية متنوعة، ما يُسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، ويُحقق تخصيصًا أكثر كفاءة للموارد الاقتصادية.
3 مراحل للسوق المالية السعودية
وقد مرت السوق المالية السعودية وتطورها عبر مسيرتها التاريخية بمراحل أساسية هي المرحلة الأولى والتي بدأت من نشأة سوق الأسهم السعودية وتطورها خلال الفترة من 1926 إلى 1984، التي صاحبت تأسيس المملكة وتصاعد دور القطاع الخاص في التنمية وتأسيس شركات المساهمة الوطنية وانتشار أعمال بيع وشراء الأسهم من خلال مكاتب غير مرخص لها.
أما عن المرحلة الثانية فقد بدأت مع التوجه نحو تنظيم أعمال بيع وشراء أسهم الشركات الوطنية، وصدور الأمر السامي الكريم عام 1983 القاضي بإسناد خدمات بيع وشراء أسهم الشركات الوطنية إلى البنوك التجارية، وتشكيل لجنة وزارية للإشراف على نشاطات التعامل في الأسهم، وكذلك من مراحل تطور السوق السعودية صدور نظام السوق المالية عام 2003 وتأسيس هيئة السوق المالية عام 2004 وانتقال مسؤولية الإشراف على السوق المالية وتنظيمها إليها.
أول شركة مساهمة
والبعض يؤرخ لتأسيس أول شركة مساهمة سعودية عام 1935 بعد صدور النظام التجاري عام 1931، لكن الوثائق تدل على أن فكر المساهمة كان حاضرًا في ذهن الملك المؤسس قبل توحيد المملكة، فعقب حصول النقابة الشرقية العامة على امتياز التنقيب عن النفط عام 1923 باشر الملك عبد العزيز في اتخاذ الترتيبات اللازمة لتأسيس شركة نفط وطنية مساهمة.
وهناك وقائع أخرى وثقتها الجريدة الرسمية تشير إلى أن التأسيس الرسمي للشركات المساهمة يعود إلى تاريخ مبكر، فبعد دخول الملك عبد العزيز الحجاز وإعلانه ملكًا للحجاز ونجد في يناير 1926 وقبل توحيد المملكة في وقت لاحق، بدأ دخول سيارات نقل الحجاج بين جدة ومكة في عام 1926 في الوقت الذي كان فيه الحج لا يزال المورد الرئيس للدولة الناشئة، وكانت خدمات نقل الحجيج من بين الأنشطة الاقتصادية الأساسية لسكان الحجاز، في العام نفسه، أُسست أولى شركات المساهمة الوطنية منذ إعلان تأسيس "مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها" وهي "الشركة المساهمة الوطنية لسير السيارات" في مارس من عام 1926.
بعد ذلك جرى التوسع في تأسيس شركات المساهمة، وتوالى إنشاء عدد من الشركات السعودية، خاصة مع اكتشاف النفط وزيادة إنتاجه، وأقبل المواطنون على الاكتتاب في أسهم هذه الشركات، وتُمثّل سعودة فروع البنوك الأجنبية في المملكة العربية السعودية الانطلاقة الحقيقية لسوق مالية منظمة، وتأسيسًا لفكر التداول والاتجار بالأسهم، ليحل تدريجيًا محل فكر الاستحواذ والاحتفاظ الذي جعل المساهم يعد نفسه شريكًا في الشركة، وبالتالي ظهرت الأعراض الأخرى المصاحبة للتداول ومنها نشاط الوساطة، فانتشرت مكاتب بيع وشراء الأسهم في كل مدن المملكة، وبدأت في صورة مؤسسات فردية غير متخصصة في الشؤون المالية، وانتشرت الإعلانات واللافتات على المحال التي تشير إلى بيع وشراء الأسهم.
اهتمام كبير من المساهمين
خلال فترة خطتي التنمية الثانية والثالثة (1975-1985)، شهدت السوق الأولية اهتمامًا من المساهمين في سوق الأسهم السعودية، ما أدى إلى مشاركة شريحة كبيرة من السكان في الاكتتاب في الأسهم. من جانبها، سعت الحكومة إلى تنشيط سوق الأسهم من خلال دعمها، والمشاركة في تكوين عديد من الشركات المساهمة، وكان للمؤسسات الحكومية دور كبير في تشجيع تأسيس عدة شركات مساهمة، ومن بين هذه المؤسسات، المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والمؤسسة العامة للتقاعد.
وجاء اكتتاب سابك عقب سعودة البنوك، فازداد الوعي بالاستثمار في الأسهم، بعد الأرباح التي تحققت من الاكتتاب في أسهم البنوك وشركات الكهرباء والإسمنت، وبدأت التداولات تزداد معدلاتها يومًا بعد يوم، الأمر الذي أدى إلى انخراط أعداد كبيرة من أصحاب المكاتب المختلفة في أعمال الوساطة في تداول الأسهم فصنعت سوقًا مرتبكة غير رسمية.
وأجـرت وزارة الماليـة بالتعـاون مـع مؤسسـة النقـد ووزارة التجـارة دراسـات فـي شـأن أفضـل الطـرق لإنشـاء سـوق ماليـة لتـداول الأسـهم فـي المملكـة، وتوجت هذه الجهود بصدور الأمر الخاص بتنظيم تداول الأسهم عن طريق البنوك للبدء في العمل به في نوفمبر عام 1984.
وجاء إصدار أول تنظيم لتداول الأسهم بهدف القضاء على دور مكاتب الأسهم، التي كانت تمارس الوساطة المالية في بيع وشراء الأسهم بشكل غير رسمي، وحصر نشاط التداول بيعًا وشراءً من خلال البنوك التجارية، مع إلزامها بفتح وحدات مركزية للتداول في مراكزها الرئيسة، ووحدات تداول فرعية في فروعها في مختلف مناطق المملكة ومنعها من بيع وشراء الأسهم لصالحها، وقصرها على صالح عملائها فقط.
وفي عام 1990 شرعت إدارة التقنية البنكية في مؤسسة النقد في تخصيص فريق من الشباب السعوديين لتطوير الأنظمة الخاصة بتداول الأسهم، وتفرغ الفريق تفرغًا كاملًا، وأسندت مهمة أتمتة نظام التداول إلى إحدى الشركات المتميزة التي اعتمدت على فريق الإدارة التقنية بمؤسسة النقد، فقد بنيت الأنظمة داخليًا Built in House، واستعانت الشركة بفريق سبق له العمل في تطوير بورصة لندن. وفي 31 يوليو 1990 بدأ تطبيق النظام الآلي لمعلومات الأسهم السعودية.
نظام وهيئة السوق المالية
وفي 2003 صدر نظام السوق المالية، الذي يقضي بإنشاء هيئة السوق المالية، وكانت الخطوة التالية المنتظرة تأسيس الهيئة، التي سيكون من شأنها تنظيم السوق لتعمل بشكل عادل لمنح الأطراف المتعاملة في السوق الفرص المتكافئة للاستثمار بشكل سليم، وفي 2004 تشكل أول مجلس للهيئة.
وبهدف الفصل بين الجانب الإشرافي والرقابي في أعمال الأوراق المالية، وبين الجانب التشغيلي والفني، وتنفيذًا لنظام السوق المالية، تشكلت لجنة من الهيئة ووزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي لتأسيس شركة "تداول"، وبدأ العمل على إعداد النظام الأساسي للشركة في عام 2005، ووافق مجلس الوزراء في 19 مارس 2007 على الترخيص في تأسيس شركة السوق المالية السعودية "تداول" شركة مساهمة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة مدتها 99 عامًا ميلاديًا، ويجوز تمديدها بقرار من الجمعية العامة غير العادية قبل انتهاء أجلها بعام واحد على الأقل، لتنتقل بعدها أصول الشركة السعودية لتسجيل الأسهم وموظفوها إلى شركة "تداول"، وأدى تحول تداول إلى شركة مساهمة إلى نقلة كبيرة ومهمة في تطورات السوق المالية.












