لطالما اعتبر المستثمرون أصولًا مثل سندات الخزانة الأمريكية، والين الياباني، والذهب ملاذات آمنة يلجؤون إليها عند اضطراب الأسواق أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
لكن ما شهدته الأسواق العالمية خلال عام 2026 كشف عن تغير لافت في هذا النمط؛ فمع تصاعد التوترات، لم تتحرك هذه الأصول بالطريقة التي اعتادها المستثمرون، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الملاذات الآمنة لا تزال قادرة على أداء دورها التقليدي.
لماذا تغير المشهد؟
يرى محللون أن ما يحدث لا يمثل موجة تقليدية من العزوف عن المخاطرة، بل يعكس تداخل عدة عوامل اقتصادية، من بينها ارتفاع توقعات التضخم، وزيادة العوائد الحقيقية، والمخاوف المرتبطة بأوضاع المالية العامة، واتساع الفجوة بين أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى.
وقال فريدريك نيومان، كبير اقتصاديي آسيا في بنك HSBC، إن شهية المستثمرين للمخاطرة لا تزال قوية، وإن الأوضاع المالية العالمية ما زالت داعمة للاستثمار، وهو ما يفسر استمرار تدفق الأموال إلى أسواق الأسهم بدلًا من التوجه الكامل نحو الملاذات الآمنة.
وفي الوقت نفسه، واصلت مؤشرات الأسهم الأمريكية والآسيوية تسجيل مستويات قياسية، مدعومة بالإقبال على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، مثل Nvidia وIntel في الولايات المتحدة، وSamsung Electronics وSK Hynix وTSMC في آسيا.
كما أوضح هينينغ بوتستادا، الرئيس العالمي لإدارة الأصول متعددة الفئات في شركة DWS، أن المحرك الأساسي للأسهم لا يزال يتمثل في نمو أرباح الشركات، مشيرًا إلى أن توقعات الأرباح ما زالت ترتفع، وهو ما يدعم استمرار صعود الأسواق.
التضخم يضغط على السندات
رغم اعتبار سندات الخزانة الأمريكية من أكثر الأصول أمانًا عالميًا، فإنها لم تستفد من التوترات الأخيرة كما حدث في أزمات سابقة.
ويعزو الخبراء ذلك إلى ارتفاع توقعات التضخم، خاصة بعد صعود أسعار النفط خلال الحرب، وهو ما أدى إلى تراجع جاذبية السندات ذات العائد الثابت، لأن التضخم يقلل من القيمة الحقيقية للعوائد المستقبلية التي يحصل عليها المستثمرون.
إضافة إلى ذلك، برزت المخاوف المتعلقة باستدامة الدين الأمريكي كعامل ضغط آخر على سوق السندات.
ووفقًا لتقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس الأمريكي، من المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الفيدرالية نحو 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، بما يعادل نحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرى محللون أن هذه المستويات المرتفعة من العجز أصبحت تؤثر بصورة متزايدة في قرارات المستثمرين، حتى مع استمرار الثقة الكبيرة في سندات الخزانة الأمريكية.
الذهب... ملاذ آمن لكن بسلوك مختلف
كان أداء الذهب خلال الأشهر الماضية محيرًا بالنسبة للمحللين، إذ لم يتحرك بالشكل المعتاد رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وأشار بيلي ليونغ، استراتيجي الاستثمار في Global X ETFs، إلى أن الذهب لم يتصرف مؤخرًا كملاذ آمن خالص، موضحًا أن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية كانا العاملين الأكثر تأثيرًا في تحركاته السعرية.
ويتفق بوتستادا مع هذا الرأي، لكنه يرجح أيضًا أن التقلبات الأخيرة تعكس دخول أعداد كبيرة من المستثمرين الأفراد والمضاربين إلى سوق الذهب بعد موجة الصعود التي شهدها العام الماضي، وهو ما جعل تحركات الأسعار أكثر تأثرًا بالتداولات قصيرة الأجل.
ورغم ذلك، لا يزال كثير من مديري الأصول يعتبرون الذهب وسيلة مهمة للتحوط على المدى الطويل، حتى وإن تغير أداؤه مؤقتًا خلال الأزمة الحالية.
الين الياباني تحت الاختبار
كان الين الياباني يُعد لعقود أحد أبرز الملاذات الآمنة في الأسواق العالمية، إلا أن أداءه خلال عام 2026 أثار شكوكًا حول استمرار هذا الدور.
فعلى الرغم من رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 30 عامًا، وبلوغ عوائد السندات الحكومية اليابانية مستويات قياسية، إضافة إلى تدخل السلطات اليابانية في سوق الصرف بما يقارب 74 مليار دولار، واصل الين تراجعه أمام الدولار.
ووصل سعر صرف العملة اليابانية إلى نحو 162 ينًا مقابل الدولار مطلع يوليو، في وقت تبلغ فيه نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان نحو 204.4%، وهي الأعلى عالميًا وفق بيانات صندوق النقد الدولي.
ويرى محللون أن تراجع موثوقية الين كملاذ آمن يعود إلى تباين السياسة النقدية لبنك اليابان مقارنة بالبنوك المركزية الأخرى، إلى جانب حساسيته الكبيرة لفروق العوائد بين الاقتصادات المختلفة.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الملاذات الآمنة لم تختفِ، لكنها أصبحت أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بما كانت عليه في السابق.
ففي الأزمات التقليدية، كانت السندات والذهب والين تتحرك غالبًا في الاتجاه نفسه مع زيادة الإقبال عليها، أما اليوم فأصبح كل أصل يستجيب بصورة أكبر لعوامله الاقتصادية الخاصة، مثل التضخم، وأسعار الفائدة، والعوائد الحقيقية، وأوضاع المالية العامة.
ويرى خبراء أن هذه التحولات تعني أن الاعتماد على أصل واحد باعتباره ملاذًا آمنًا قد لا يكون كافيًا كما كان في الماضي، وأن بناء محافظ استثمارية أكثر تنوعًا أصبح أكثر أهمية لمواجهة التقلبات في الأسواق العالمية.














