رسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطلعات مشتركة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، استنادًا إلى فرضية تحقيق انتصار حاسم على إيران.
بحسب تحليل نشرته شبكة "بي بي سي" (BBC)، فإن مجريات الأحداث على الأرض بدأت تأخذ مسارًا مغايرًا للتوقعات؛ إذ لم تفضِ الحرب التي أطلقها ترامب ونتنياهو إلى حسم واضح، بينما يواجه العالم خطر الانزلاق إلى أزمة ممتدة تتراوح بين حرب استنزاف طويلة ومواجهات مباشرة
ويرى التحليل أن النظام الإيراني أظهر قدرًا من الصلابة يفوق ما افترضته التقديرات الأمريكية والإسرائيلية عند اندلاع الحرب، وهو ما وضع ترامب ونتنياهو أمام تحديات لم تكن ضمن حساباتهما الأولية.
كما اعتبر التحليل أن حادثة إسقاط مروحية أمريكية من طراز "أباتشي" شكلت مؤشرًا على استمرار قدرة إيران على إلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية، وسعيها إلى الخروج من الحرب بمكاسب استراتيجية، من بينها انتزاع اعتراف بدورها في معادلة السيطرة على مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية في العالم.
الحسابات الأمريكية وتوازنات ترامب
بحسب "BBC"، يسعى الرئيس الأمريكي وجنرالاته إلى صياغة ردود مدروسة على إسقاط المروحية، بما يحقق توازنًا بين إظهار الحزم ورفض التنازلات من جهة، والحفاظ على فرص المسار الدبلوماسي المتعثر من جهة أخرى. كما أن نجاة طاقم المروحية ساهمت في تجنب رد أمريكي أكثر قسوة كان مرجحًا في حال وقوع قتلى.
ويعتمد ترامب، وفق التحليل، على إمكانية التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز ويؤّسس لمفاوضات أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب.
ويرى التحليل أن نتنياهو بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه السياسي على اعتبار إيران التهديد الرئيسي لإسرائيل، بأكثر من الفلسطينيين أو الدول العربية المجاورة، وسعى طوال سنوات إلى إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالمشاركة في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران، قبل أن يجد في ترامب شريكًا مستعدًا للمضي في هذا المسار.
وعلى مدى أكثر من عامين منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، كرر نتنياهو التأكيد للإسرائيليين أن القوة العسكرية المدعومة أمريكيًا قادرة على هزيمة الأعداء وتأمين مستقبل إسرائيل، وهو ما كرّس، بحسب التحليل، أولوية الخيار العسكري على المسارات الدبلوماسية.
إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت تعقيدات جديدة؛ فبعدما طلب ترامب من نتنياهو إلغاء خطط لمهاجمة بيروت، بدا أن المصالح الأمريكية المرتبطة بإنهاء الحرب باتت تتقدم على الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى مواصلة الضغط العسكري على إيران وحلفائها.
ترامب ونتنياهو وإدارة الأزمة
ويشير التحليل إلى أن ترامب ونتنياهو كانا يتوقعان تحقيق نصر سريع، مستندَين إلى نجاحات اعتبرها ترامب نموذجًا لإحداث تغييرات سياسية سريعة خارج الولايات المتحدة، ومقتنعَين بأن إيران قد تكون المحطة التالية لهذا النهج.
كما استندت الحسابات الأمريكية والإسرائيلية إلى جملة من العوامل، من بينها الأزمة الاقتصادية الإيرانية، وتأثير العقوبات، والضربات التي تعرض لها حلفاء طهران في المنطقة، إضافة إلى الاضطرابات الداخلية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
غير أن هذه التقديرات، بحسب "BBC"، لم تأخذ في الحسبان قدرة النظام الإيراني على التكيف مع الضغوط، ولا طبيعة مؤسساته الأمنية والعسكرية التي بُنيت على مدار عقود لمواجهة التهديدات الخارجية. كما بالغت في تقدير فاعلية القوة العسكرية في إحداث انهيار سريع داخل نظام تشكلت عقيدته الأمنية والسياسية في ظل شعور دائم بالمواجهة والحصار.
ويبدو أن القيادة الإيرانية تنظر إلى قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز وإبقاء التوتر قائمًا في المنطقة، باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة واشنطن وتل أبيب.
ربط الساحات الإقليمية
كما يشير التحليل إلى أن الجيل الجديد من القادة الإيرانيين، الذين خلفوا شخصيات بارزة اغتيلت خلال السنوات الماضية، يتبنون النهج الأيديولوجي ذاته، لكنهم يبدون استعدادًا أكبر لتحمل المخاطر؛ انطلاقًا من قناعة بأن الردع لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بإظهار القدرة على فرض كلفة مرتفعة على الخصوم.
وتعتمد طهران، وفق "BBC"، على ربط الساحات الإقليمية بعضها ببعض، معتبرة أن أي تفاهم معها لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الوضع في لبنان أو مستقبل حزب الله، الذي يمثل أحد أبرز أدوات نفوذها في المنطقة.
وقد ظهر قبول أمريكي ضمني بهذا الترابط عندما ضغط ترامب على إسرائيل لإلغاء خطط مهاجمة بيروت بحجة اقتراب التوصل إلى اتفاق، رغم إعلان نتنياهو رفضه الربط بين الملفين.
ويخلص تحليل "BBC" إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، في ظل غياب اختراق دبلوماسي ملموس، يعكس حجم المأزق الذي تواجهه الأطراف كافة.













