تحدث الدكتور فيصل الشهراني عن علاقة النبي محمد ﷺ بالشعر، موضحًا أن النبي كان يحب سماع الشعر، مشيرًا إلى أن بعض الصحابة كانوا ينشدونه الشعر، ومن ذلك ما رُوي عن إنشاد شعر أمية بن أبي الصلت.
مكانة الشعر في الإسلام
وأكد الشهراني، خلال استضافته في برنامج "الليوان" المذاع على قناة روتانا خليجية، أن وصف النبي ﷺ بالأمي هو وصف كمال في حقه، لأنه مرتبط بالنبوة والرسالة، مستشهدًا بقوله تعالى: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له».
وأوضح أن النبي ﷺ لم يكن يقيم البيت الموزون على الطريقة الشعرية، وإن ورد عنه في بعض المواضع قول عبارات ذات إيقاع، مثل قوله في غزوة حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، فإن ذلك لا يُعد شعرًا بالمعنى الفني المعروف.
وقال الشهراني، إنه روي عني النبي ﷺ أنه قال «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا»، مبينًا أن المقصود ليس كل الشعر مطلقًا، وإنما نوع منه إذا دعا إلى مفاخرة مذمومة أو طعن أو معانٍ محرمة. فالشعر كما قال يُحكم بميزان الأخلاق.
وضرب مثالًا بشعر حسان بن ثابت، وأن شعره في جاهليته خير من شعره في إسلامه، مضيفًا " بعيداً عن الناحية الفنية، الإسلام فيه قيم، فيه أخلاق، فيه ضوابط، الشاعر يحب الانفلات من نواحٍ كثيرة".
كما لفت إلى أن القرآن الكريم نفسه أشار إلى الشعراء في خواتيم سورة الشعراء، مستهدًا بقوله تعالي " والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا".
واستشهد الشهراني بدليل على حب النبي ﷺ للشعر يتلخص في قصة النابغة الجعدي، الصحابي الذي أنشد بين يدي النبي ﷺ قصيدة تضمنت معاني العزة ومكارم الأخلاق وسمو النفس، ومنها قوله «بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا»، فقال له النبي ﷺ «إلى أين يا أبا ليلى؟» قال «إلى الجنة»، قال «نعم إذاً».
تطور المدائح النبوية
و قال الشهراني إن صورة المدائح النبوية بصيغتها التقليدية لم تكن على النحو الذي عُرفت به لاحقًا في صدر الإسلام، مشيرًا إلى أن الدكتور زكي مبارك تناول هذا اللون الأدبي في كتابه عن المدائح النبوية، حيث جمع عددًا كبيرًا من القصائد، من بينها قصائد في مدح آل بيت النبي ﷺ. ولفت إلى أن شعر الصحابة، وإن أُدرج أحيانًا ضمن المدائح، إلا أن غالبه كان يدور حول الذب عن الإسلام وذكر المعارك والوقائع، أكثر من كونه مدائح بصورتها الفنية المتعارف عليها لاحقًا.
وأوضح الشهراني أن المدائح النبوية، كغرض شعري مستقل، ارتبطت بشكل أوضح بالدولة الفاطمية ثم بعهد المماليك في مصر، لا سيما في سياق الموالد والاحتفالات. وبيّن أن بعض الشعراء أوقفوا نتاجهم تقريبًا على مدح النبي ﷺ، مثل البوصيري، والصرصري، وعبد الرحيم البرعي، راجيًا أن يكون ذلك لهم ذخراً وأجراً عند الله.
لكنه نبه إلى أن بعض هذه القصائد وقع فيها قدر من الغلو الذي لا يرضاه النبي ﷺ، مؤكدًا أن مدحه وتعظيمه ممكنان دون تجاوز الحدود العقدية. واستشهد ببيت من "البردة" للبوصيري: «وإنّ من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم».
وفي سياق الحديث عن مدح النبي ﷺ، نقل الشهراني تعليقًا للشاعر السوداني محمد عبد الباري، الذي رأى أن مقام النبي يفوق قدرة الشعراء على الإحاطة به، وقال: "الذين قالوا لم يقدروا، والذين قدروا ما قالوا"، في إشارة إلى أن كبار الشعراء فنيًا لم يُعرفوا بكثرة المدائح النبوية، مثل أبي تمام، والمتنبي، والبحتري، وجرير، والفرزدق.
واعتبر الشهراني أن ذلك يؤكد أن المدائح تحولت في مرحلة معينة إلى تقليد وغرض شعري درج عليه الناس، أكثر من كونها سمة عامة لدى كبار شعراء العربية في كل العصور.
وأشار إلى أنه يميل إلى بعض النماذج التي يرى فيها صدق العاطفة وجمال التعبير، من بينها همزية أحمد شوقي التي مطلعها: «وُلد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء»، إضافة إلى أبيات لسان الدين ابن الخطيب في الشوق إلى المدينة، وقصيدة للصرصري في الحنين إلى الحجاز، والتي يُروى أن ابن تيمية بكى عند سماعها.
وختم بالإشارة إلى أن بعض أبيات المتنبي وإن لم تُكتب في مدح النبي ﷺ تستحضر لديه مشاعر خاصة كلما زار الروضة الشريفة: « يا رجاء العيون في كل أرض، لم يكن غير أن أراك رجائي ولقد أفنت المفاوز خيلي، قبل أن نلتقي وزادي ومائي».
اقرأ أيضًا :
ثلاث مسارات للاستفادة ماديًا من اللغة العربية
3 تكوينات اجتماعية رسمت ملامح المجتمع السعودي عبر القرون
شروط وخطوات التسجيل لحج هذا العام من داخل المملكة













