حالة من الحزن خيّمت على الأوساط الثقافية عقب وفاة الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي، الذي رحل عن عمر ناهز 73 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والنقدي تركت أثرًا بارزًا في المشهد الثقافي العربي.
وأُعلن عن وفاة السريحي، أمس الأربعاء، عقب معاناة صحية استمرت لعدة أشهر، دخل على إثرها العناية المركزة. وبرحيله، فقد المشهد الثقافي أحد أبرز الأسماء التي أسهمت بكتاباتها ومواقفها النقدية في إثراء الحركة الأدبية العربية على مدى عقود.
وعُرف الراحل بإسهاماته العميقة في النقد الأدبي، حيث شكّل حضوره علامة فارقة في النقاشات الثقافية، وترك إرثًا فكريًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية لما حمله من رؤى وتجديد في الطرح والمعالجة.
وداع و إشادة بمسيرة ثقافية ممتدة
وأعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، عن خالص تعازيه ومواساته لأسرة الفقيد وذويه، في رسالة نشرها عبر حسابه على منصة «إكس»، داعيًا له بالرحمة والمغفرة.
ونعى وزير الإعلام سلمان الدوسري الدكتور سعيد السريحي، عبر حسابه على منصة «إكس»، معبرًا عن حزنه لرحيله، ومؤكدًا أن الساحة الثقافية تودّع أحد أبرز رموزها. وكتب: «نودّع اليوم الأديب الناقد والإعلامي الدكتور سعيد السريحي؛ أحد الأصوات التي آمنت بأن الكلمة مسؤولية، والنقد بناء لا هدم. ترك إرثًا معرفيًا وثقافيًا سيبقى شاهدًا على حضوره وتأثيره. رحمه الله، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان».
واستعاد عدد من المثقفين مسيرة السريحي، مشيرين إلى أنه كرّس حياته وجهده لخدمة الثقافة والأدب، وأسهم عبر عطائه المتواصل وإنتاجه الفكري في تعزيز الحراك الثقافي العربي، ليبقى اسمه ضمن أبرز رواد الفكر والنقد في العالم العربي.
ونستعرض في السطور التالية أبرز المحطات في مسيرة الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي:
محطات في حياة الأديب سعيد السريحي
ولد السريحي في مدينة جدة عام 1953، ونشأ في بيئة ثقافية ثرية ومتعددة، كان لها أثر واضح في تشكيل اهتماماته الفكرية وتوجهاته النقدية لاحقًا. نال درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وقدم أطروحته المعروفة بعنوان «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، وهي دراسة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية عند صدورها، قبل أن تتحول إلى مرجع أساسي في حقل نقد الحداثة.
وجسّدت تجربته الأكاديمية خلال ثمانينات القرن الماضي حالة الاستقطاب الفكري بين دعاة الحداثة والتيار التقليدي، إذ تضمنت أطروحته قراءة نقدية معمقة للغة الشعر العربي الحديث، إلا أن الدراسة واجهت قرارًا مفاجئًا من إدارة الجامعة يقضي بسحب الدرجة العلمية أو حجبها.
أثار القرار موجة تضامن واسعة من مثقفين وأدباء في المملكة والعالم العربي. وتحولت تلك الواقعة إلى محطة مفصلية في مسيرته، ورمزٍ للصمود المعرفي والتمسك بالمنهج العلمي في قراءة النصوص وتحليلها.
حضور صحفي وثقافي مؤثر
شكّل الدكتور سعيد السريحي حضورًا بارزًا في المشهد الثقافي عبر تجربته الممتدة بين العمل الصحفي ونشاط الأندية الأدبية. فقد تولّى الإشراف على القسم الثقافي في صحيفة «عكاظ»، حيث أدار على مدى سنوات حراكًا صحافيًا متواصلًا، تبلورت خلاله رؤيته النقدية التي جمعت بين الفلسفة والأدب والاجتماع، وأسهمت في ترسيخ خطاب ثقافي يتسم بالعمق والاتزان.
وفي سياق المشهد الثقافي خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، كان للسريحي حضور فاعل إلى جانب عدد من مثقفي جيله، خاصة عبر نشاطه في نادي جدة الأدبي. وشكّلت تلك المرحلة مساحة حيوية لتبادل الأفكار وتباين الاتجاهات، حيث أسهم بدوره في إثراء النقاشات وصياغة ملامح حراك ثقافي سعودي اتسم بالحيوية والجدل الفكري.
وعُرف خلال تلك الحقبة بدفاعه المستمر عن حرية التجريب، وحرصه على فتح مسارات أوسع للحوار حول القضايا الكبرى في الفكر والأدب. وكان يرى في التجديد مسارًا معرفيًا حتميًا، ما جعله أحد الأسماء المحورية في ترسيخ وعي نقدي جديد يقوم على التحليل العميق وتجاوز القراءات التقليدية للنصوص.
أعمال خالدة في ذاكرة الثقافة السعودية
خلّف الدكتور سعيد السريحي رصيدًا من المؤلفات التي جسّدت مشروعه في قراءة النصوص بعيدًا عن القوالب الجاهزة، معتمدًا مقاربة تحليلية عميقة تعيد تفكيك الخطاب وتأويل التجربة الإنسانية.
ومن أبرز أعماله كتاب «تقليب الحطب على النار» الذي ضم دراسات في السرد، و«حجاب العادة» الذي تناول فيه أركولوجيا الكرم وانتقاله من الخطاب إلى التجربة، إلى جانب «غواية الاسم» الذي بحث في سيرة القهوة وسياقات خطاب التحريم المرتبط بها.
كما دوّن جانبًا من سيرته الفكرية والشخصية في كتاب «الحياة خارج الأقواس»، مقدّمًا سردًا أدبيًا لمحطات من حياته وتجربته الثقافية، في عمل يعكس انحيازه الدائم إلى النقد الواعي والاستقصاء المعرفي، وترسيخه لنهج يقوم على التحليل المتعمق.














