شهدت أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي موجة تراجع جديدة، في ظل تنامي قلق المستثمرين من استمرار الإنفاق الضخم على تطوير هذه التقنية دون انعكاس واضح على الأرباح، وهو ما زاد من الضغوط على أسهم قطاع التقنية خلال الأيام الأخيرة.
واتجه مؤشر ناسداك، الذي يقيس أداء شركات التقنية، إلى تسجيل انخفاض إضافي بنسبة 1.2% خلال تعاملات الجمعة، متأثرًا بموجة بيع واسعة في الأسواق الآسيوية، بعدما هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 5.8%. وبذلك يكون ناسداك قد أنهى جميع جلسات الأسبوع على تراجع، ليفقد أكثر من 6% من مستواه القياسي الذي سجله في الثاني من يونيو.
لماذا تتراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي؟
يعزو المستثمرون هذا التراجع إلى الارتفاع الكبير الذي شهدته تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية، حيث استندت تلك التقييمات بدرجة كبيرة إلى توقعات مستقبلية بشأن التقنية، في حين لم تحقق الشركات حتى الآن نموًا في الأرباح يتناسب مع تلك التوقعات ويبرر مستويات الأسعار المرتفعة.
ورغم ذلك، لا تشير المؤشرات إلى تراجع الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل إن الطلب لا يزال قويًا، إلا أن سرعة توسع القطاع دفعت الشركات إلى استثمار واقتراض عشرات المليارات من الدولارات لبناء البنية التحتية اللازمة وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، دون تحقيق عوائد مالية فورية.
ولا تقتصر الضغوط على شركات التقنية العملاقة وحدها، إذ أصبح تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مشروعًا مرتفع التكلفة بصورة غير مسبوقة. كما أدى الإقبال المتزايد على هذه التقنيات إلى توسع كبير في إنشاء مراكز البيانات، وهو ما رفع الطلب على الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى مستويات تفوق قدرة شركات أشباه الموصلات على الإنتاج بالسرعة المطلوبة.
وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار الرقائق الإلكترونية بشكل ملحوظ، لتنشأ حالة من التفاوت داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث استفادت شركات تصنيع الرقائق من الطفرة الحالية وحققت أسهمها مكاسب قوية، في الوقت الذي تعرضت فيه أسهم شركات التقنية المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي لضغوط بيعية متزايدة.
وفي هذا السياق، فقدت أسهم شركتي مايكروسوفت وميتا نحو خمس قيمتهما السوقية مقارنة بأعلى المستويات التي بلغتاها سابقًا، بينما دخلت بقية شركات التقنية السبع الكبرى، وهي أمازون وآبل وجوجل وإنفيديا وتسلا، في مرحلة تصحيح سعري بعد انخفاض أسعار أسهمها بما لا يقل عن 10% عن قممها الأخيرة.
وتجسد تحركات شركتي آبل ومايكرون هذا التباين داخل القطاع. فقد أعلنت آبل، الخميس، رفع أسعار أجهزة "ماك بوك" و"آيباد" نتيجة نقص الذاكرة، الأمر الذي دفع سهمها إلى التراجع بأكثر من 6%. وفي المقابل، قفز سهم شركة مايكرون، المتخصصة في تصنيع رقائق الذاكرة والتخزين، بنحو 16% خلال الجلسة نفسها، عقب إعلانها تحقيق أرباح قياسية في الليلة السابقة مدفوعة بالطلب القوي على أشباه الموصلات التي تنتجها.
ارتفاع المخاوف في قطاع التقنية
وتسببت هذه التطورات في زيادة المخاوف داخل قطاع التقنية، إذ أفادت صحيفة نيويورك تايمز، الخميس، بأن شركة OpenAI تدرس تأجيل طرحها العام الأولي، في ظل التقلبات الأخيرة التي تشهدها الأسواق، والتي قد تعيق وصول الشركة إلى التقييم المستهدف البالغ تريليون دولار.
وفي كوريا الجنوبية، تعرض مؤشر كوسبي، الذي تشكل أسهم شركتي إس كيه هاينكس وسامسونج نحو نصف قيمته، لتوقف مؤقت في التداول لمدة 20 دقيقة خلال جلسة الجمعة. ويأتي ذلك بعد فترة طويلة من التقلبات الحادة، إذ ارتفع المؤشر بنحو 90% منذ بداية العام، قبل أن يتراجع بنسبة 10% يوم الثلاثاء، ثم يعوض جزءًا من خسائره بصعود بلغ 5% و3% يومي الأربعاء والخميس، ليعود إلى الانخفاض مجددًا في تعاملات الجمعة.
وخلال السنوات الماضية، كان قطاع التقنية المحرك الرئيسي لصعود أسواق الأسهم، إلا أن صناعة أشباه الموصلات نجحت في تعويض جزء كبير من التراجع الذي أصاب شركات التقنية، بعدما ارتفعت قيمتها لتشكل نحو 19% من إجمالي القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.
في المقابل، يواجه القطاع تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع عوائد السندات، إلى جانب تزايد احتمالات إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما قد يزيد الضغوط على شركات التقنية التي تعتمد بشكل كبير على التمويل والاقتراض، وبالتالي تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع تكلفة الاقتراض.
ويرى مراقبون أن تحول القلق الحالي إلى موجة بيع واسعة في أسهم التقنية سيضع بقية قطاعات سوق الأسهم أمام اختبار صعب لتعويض هذا التراجع، إلا أن المؤشرات الإيجابية تتمثل في أن جميع القطاعات غير التقنية حققت مكاسب خلال الأسبوع الجاري.
ورغم الضغوط التي يتعرض لها قطاع التقنية، فإن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لا يزال يتداول على بعد يزيد قليلًا على 3% فقط من أعلى مستوى تاريخي سجله.
وفي الوقت الراهن، يواصل المستثمرون في أسهم التقنية تقليص مستويات المخاطرة، وسط مساعٍ لعبور شهر يونيو بأقل قدر ممكن من الخسائر، في انتظار مؤشرات أوضح بشأن مستقبل القطاع وقدرته على تحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فعلية.














