غيب الموت أسطورة موسيقى الريف والأيقونة الإنسانية الأمريكية دوللي بارتون عن عمر يناهز 80 عامًا في مدينة ناشفيل، بعد معركة قصيرة بشجاعة مع مرض السرطان، لترحل بسلام وتترك خلفها إرثًا فنيًا وإنسانيًا عظيمًا، وجاء رحيلها بعد فترة شهدت تدهورًا في صحتها، لا سيما عقب غياب رفيق دربها وزوجها كارل دين في مارس 2025، حيث عبّرت النجمة في مقاطع فيديو سابقة عن ألمها العميق وأسفها لإهمال صحتها خلال فترة مرض زوجها وبعد وفاته.
ورغم هذا الرحيل المحزن، قررت العائلة إقامة مراسم تأبين خاصة ومحدودة، في حين أعلن الرئيس الأمريكي تنكيس الأعلام في البيت الأبيض وكل المؤسسات وفي السفارات والقواعد العسكرية تكريمًا لهذه القامة الوطنية السامية.
بدايات متواضعة وصعود استثنائي
لم تكن طريق بارتون نحو المجد مفروشة بالورود، إذ ولدت عام 1946 في كوخ بسيط بولاية تينيسي ضمن عائلة فقيرة للغاية تضم 12 طفلًا، وكان والدها أميًا لا يعرف القراءة، إلا أن ينبوع الموسيقى تدفق في وجدانها عبر والدتها وعائلتها التي كانت تحيي المناسبات المحلية.
وتعلمت العزف على الغيتار في سن السابعة وبدأت بتأليف أغانيها مبكرًا، وبمجرد تخرجها من الثانوية، انتقلت إلى ناشفيل لتتبع شغفها، وهناك التقت بشريك حياتها كارل دين عام 1965، وانطلقت مسيرتها التلفزيونية والموسيقية من خلال برنامج "ذا بورتر واغنر شو"، لتنسج أولى خطوات النجاح وتحتل أغانيها مراكز متقدمة في القوائم الغنائية.
استقلالية فنية وعبقرية في التأليف
وامتلكت بارتون رؤية استثمارية وصوتًا متميزًا، حيث أسست في سن العشرين شركة نشر خاصة احتفظت فيها بالحصة المسيطرة على أعمالها لضمان إعالة أسرتها، وهو قرار منحها استقلالية نادرة الاستثناء للنساء في ذلك الوقت، ويتجلى ذلك في رفضها التنازل عن نصف حقوق نشر أغنيتها الشهيرة "سأحبك دائمًا" لصالح إلفيس بريسلي، وهي الأغنية ذاتها التي كتبتها عند انفصالها الفني عن بورتر واغنر وتحولت لاحقًا بصوت ويتني هيوستن إلى واحدة من أنجح الأغاني تاريخيًا محققة لها عائدات ضخمة، وكما ألفت بارتون أكثر من 3000 أغنية وأصدرت 49 ألبومًا، وحصدت 11 جائزة غرامي، مخلدة اسمها في قاعتي مشاهير موسيقى الريف والروك أند رول.
تألق على الشاشة وحضور مجتمعي
ولم تقتصر مواهب بارتون على الغناء والتأليف، بل امتد سحرها إلى السينما فقدمت أدوارًا سينمائية بارزة بدأت بفيلم "من التاسعة إلى الخامسة" عام 1980 مع جين فوندا وليلي توملين، وكتبت أغنيته الشهيرة التي أصبحت نشيدًا لحقوق المرأة والعمال.
وتابعت تألقها في أفلام مثل "أفضل بيت دعارة صغير في تكساس" و"ماغنوليات من فولاذ"، وعُرفت بارتون بروحها المتسامحة ومواقفها الإنسانية الداعية للتقبل والمحبة دون الحكم على الآخرين، ورغم ابتعادها عن التصريح بآرائها السياسية المباشرة، فإن كلماتها وأعمالها كانت تعبر دومًا عن انحيازها للعدالة والمساواة.
بصمات إنسانية وإرث لا يزول
تجلى حب بارتون لمجتمعها في مشاريعها الاستثمارية والخيرية، حيث أسست مدينة ملاهي "دوليوود" التي أصبحت محركًا اقتصاديًا رئيسيًا وخققت آلاف الوظائف في ولايتها، كما أنشأت "مؤسسة دوليوود" ومبادرة "مكتبة الخيال" إهداءً لروح والدها الأمي، ووزعت من خلالها أكثر من 300 مليون كتاب للأطفال حول العالم لتعزيز محو الأمية.
ولم تتوانَ عن تقديم الدعم في الأزمات والكوارث، إذ تبرعت بمليون دولار لأبحاث اللقاحات في جامعة فاندربيلت خلال جائحة كورونا، وترحل دوللي بارتون بعد مسيرة ملهمة رصعتها بالأمل والعطاء، وتبقى قصة حبها لزوجها وإخلاصها لفنها وجمهورها علامة فارقة في تاريخ الفن الإنساني.













