في مشهد يُختزل فيه تقلب أقدار المال والسلطة بصورة دراماتيكية، وقف رجل الأعمال الصيني هوي كا يان، ذو الـ66 عامًا وشعر أبيض غطاه المشيب، أمام محكمة في مدينة شنتشن الجنوبية ليسمع الحكم النهائيًا بالسجن مدى الحياة ومصادرة جميع ممتلكاته الخاصة، لم يكن هذا المنظر مجرد نهاية لحياة رجل صنف يومًا كأغنى شخص في قارة آسيا، بل كان الإعلان الرسمي والأخير لدق المسمار في نعش إمبراطورية "إيفرغراند" العقارية التي هز انهيارها أركان ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
سيرة الفتى الفلاح في سوق العقار
ولد هوي كا يان في قرية ريفية فقيرة بمقاطعة خنان بوسط الصين، وتولت جدته تربيته بعد أن ذاق طعم الفقر في صغره، واستفاد هوي من سياسات الدولة للتعليم والعون الاجتماعي، ليتخرج ويعمل فني صلب لمدة عقد من الزمان، لكن طموحه الجامح دفعه للدخول في عالم التجارة والتطوير العقاري، ليؤسس شركة "إيفرغراند" في عام 1996 بمدينة غوانغتشو.
واعتمد هوي على نموذج عمل قائم على الاقتراض الجريء والشديد الشراسة لتوفير أراضٍ وبناء مجمعات سكنية بأسعار معقولة ومعدل دوران سريع، وساهم هذا النموذج في جعل الشركة رائدة بلا منازع في القطاع العقاري الصيني بمبيعات سنوية تجاوزت 100 مليار دولار، ووصل هوي إلى ذروة المجد في عام 2017 عندما قدرت ثروته بـ45.3 مليار دولار وفق مجلة فوربس، ليصبح أثرى أثرياء آسيا.
ودخل هوي الدوائر المغلقة للنخبة المالية عبر "نادي البوكر" الشهير في هونغ كونغ، وتوسع في مشاريع جانبية مثل السيارات الكهربائية ونادي كرة القدم استجابة لرغبات القادة، بل إنه شوهد يبتسم مسترخيًا على منصة تيانانمن بجوار قادة الحزب الشيوعي الصيني خلال احتفالات عام 2021، في مشهد اعتبره الجميع بمثابة غطاء ودعم رسمي مطلق لملياردير العقارات.
كيف تهاوت الإمبراطورية من الداخل؟
لم تكن تلك الابتسامة على منصة تيانانمن سوى قشرة خارجية تُخفي تحتها أزمة تراكمت لسنوات، إذ بدأت المخاوف التنظيمية تتصاعد من حجم ديون الشركة الهائل الذي تجاوز 300 مليار دولار، وفي صيف عام 2021، بدأت كرة الثلج في التدحرج بسرعة، توقفت مشروعات بناء الشركة لعدم القدرة على سداد مستحقات المقاولين، وسرعان ما تخلفت إيفرغراند عن سداد سندات خارجية.
وتفاقم الوضع مع عجز الشركة عن توفير النقدية، لتتوالى الأزمات الميدانية والمالية، واضطر هوي إلى بيع أجزاء من حصته الشخصية، وتمت مصادرة أصول وفيلات تابعة له في هونغ كونغ، وفي عام 2022، تم تعليق التداول على أسهم الشركة بالبورصة، واستقالت الشركات المدققة مثل "برايس ووترهاوس كوبرز" بسبب الاختلافات الحسابية حول قوائم المالية.
وفي سبتمبر 2023، احتجزت السلطات الصينية هوي كا يان، ليتحول الملف من أزمة مالية إلى قضية جنائية كبرى، وفي عام 2024 أصدرت محكمة في هونغ كونغ أمرًا بتصفية إيفرغراند، وتلتها غرامات مليارية وهجمات قضائية لاسترداد الأرباح والمكافآت المدفوعة للتنفيذيين، قبل أن يتم إلغاء إدراج الشركة بالكامل من البورصة في عام 2025 وسط بطء شديد في عملية بيع الأصول مقارنة بمطالبات الدائنين الضخمة.
اتهامات جنائية وحيثيات حكم تاريخي
وأقر هوي كا يان بذنبه في أبريل 2026 أمام محكمة شنتشن في 8 تهم جنائية ثقيلة، شملت إساءة استخدام الأموال، والاحتيال في جمع التبرعات، وأخذ الودائع العامة بشكل غير قانوني، وتوفير القروض، وإصدار أوراق مالية بطريقة احتيالية، والرشوة، وأظهرت التحقيقات أن الوحدة الرئيسية للشركة تلاعبت بالقوائم المالية وضخمت الأرباح للتمويه على وضعها المالي الحرج.
وأكدت المحكمة في نص حكمها الصارم أن الجرائم التي ارتكبتها المجموعة ومؤسسها تتضمن مبالغ ضخمة وظروفًا شائنة تسببت في خسائر اقتصادية وفادحة وأضرار اجتماعية خطيرة، ما يوجب المعاقبة بأقصى درجات القسوة وفقًا للقانون، وبناءً عليه، تقرر سجنه مدى الحياة، ومصادرة كل ممتلكات هوي الشخصية، وتغريم شركة إيفرغراند 8.82 مليار يوان (1.31 مليار دولار)، وتغريم فرعها الرئيسي "هينغدا" 7 مليارات يوان، إلى جانب إدانة 56 شخصًا مرتبطًا بالشركة بأحكام سجن وغرامات تفاوتت بين 6 إلى 18 عامًا.
تداعيات اجتماعية واقتصادية مستمرة
على الرغم من إغلاق القضاة لهذا الملف الجنائي الشائك، فإن الحكم لم يقدم تسوية ملموسة لغضب ملايين المواطنين من ذوي الدخل المتوسط والمحدود الذين ضاعت مدخراتهم في منتجات إدارة الثروات أو شقق سكنية لم تكتمل، وضجت منصات التواصل الاجتماعي بتساؤلات مستثمرين وأصحاب منازل يتساءلون مرارًا: "ماذا عن أموالنا؟"، مؤكدين أن المواطن العادي هو من دفع الثمن الحقيقي لهذه الإمبراطورية المتهاوية.
وتظل أزمة إيفرغراند وديناميكيتها المعتمدة على الرافعة المالية العالية نموذجًا صارخًا لأكبر ازدهار وانهيار في تاريخ العقارات الحديث، وبينما يقبع مؤسسها خلف الأسوار مدى الحياة، لا تزال أطياف هذه الأزمة تخيم على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتترك الأسواق المالية في حالة حذر دائم من تكرار مثل هذه النموذج.













