ابتكر باحثون في الصين واحدةً من أدق الساعات على الإطلاق، تُعرف باسم الساعة الشبكية البصرية من السترونتيوم، حيث تقيس الثواني بدقة تصل إلى 19 منزلة عشرية. ولو قُدّر لهذه الساعة أن تعمل لمدة 30 مليار عام، وهو ما يمثل أكثر من ضعف العمر الحالي للكون، فإنها لن تخطئ سوى بثانية واحدة زيادةً أو نقصانًا.
ويمثل هذا المستوى الفائق من الدقة خطوةً رئيسيةً نحو تغيير التعريف الرسمي للثانية خلال العقد المقبل.
ولفهم أهمية هذا الإنجاز، تجدر الإشارة إلى أن البشر اعتمدوا في الأصل على تقسيم اليوم إلى 24 ساعة ثم إلى دقائق وثوان لتحديد الوقت، لتشكل الثانية بذلك جزءًا من 86,400 من اليوم. وقد اعتُبر هذا المقياس جيدًا كدليل تقريبي في الماضي، لكنه لم يعد كافيًا لتلبية احتياجات التطبيقات العلمية والصناعية الحديثة، وذلك لأن سرعة دوران الأرض تتغير بسبب عوامل متعددة مما يجعل اليوم قياسًا غير دقيق للزمن المرجعي.
ونتيجةً لذلك، أدى ابتكار الساعات الذرية إلى قياس الثانية بشكل مستقل بناءً على سمات ثابتة في الطبيعة، حيث اعتمد النظام الدولي للوحدات منذ عام 1967 تعريفًا للثانية يعادل 9,192,631,770 تذبذبًا لذرة السيزيوم-133.
ورغم أن ذلك التعريف قدم دقةً عاليةً في حينه، فإن العلم الحديث تطلب دقةً أكبر بكثير. وهنا يأتي دور ذرات مثل السترونتيوم التي تتذبذب بترددات الضوء المرئي لتنتج نحو 700 كوادريليون تكتكة في الثانية، مقارنةً بتسعة مليارات تكتكة للسيزيوم.
وتقوم الساعات البصرية بقياس هذه التذبذبات مما يؤدي إلى دقة تصل إلى 10 أس سالب 18 من الثانية. وفي هذا السياق، أدخل باحثون من جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية ترقيات على الساعة البصرية الخاصة بالمنشأة لتقليل نسبة عدم اليقين إلى 9.2 مضروبة في 10 أس سالب 19، إلى جانب تحسين الاستقرار إلى 6.3 مضروبة في 10 أس سالب 19.
ولتوثيق هذا العمل، نشر الباحثون ورقةً علميةً في مجلة مترولوجيا لوصف تفاصيله، وأوضحوا فيها «يلبي هذا الأداء متطلبات دقة الساعة الواحدة البالغة 2 مضروبة في 10 أس سالب 18 لإعادة تعريف ثانية النظام الدولي للوحدات مع تطبيقات محتملة في الجيوديسيا النسبية وعمليات البحث عالية الدقة عن المادة المظلمة».
ومما يجدر ذكره أن تغيير التعريف الرسمي يشترط استخدام ثلاث ساعات بصرية على الأقل تعتمد على نفس النوع من التكتكة وتتمتع بمستوى معين من الدقة والاستقرار في مؤسسات مختلفة.
ووفقًا للفريق، فقد حققت ساعتان بصريتان من السترونتيوم وساعتان أخريان تعتمدان على أيونات الألومنيوم هذا الإنجاز بالفعل، لتنضم الساعة الجديدة إلى هذه الجهود وتلبي متطلبات الدقة والاستقرار، فضلًا عن إمكانية قياس الاختلافات في مجال جاذبية الأرض.
وعادةً ما تُتخذ قرارات إعادة التعريف في المؤتمر العام للأوزان والمقاييس الذي يُعقد كل أربع سنوات. ورغم أن موعد المؤتمر القادم يحين في شهر أكتوبر من هذا العام، فإنه لم يُحرز تقدم كاف نحو استيفاء معايير إعادة التعريف لاتخاذ قرار حاسم في هذا الاجتماع.
وعوضًا عن ذلك، طُلب من اللجنة العمل على مقترح للتعريف الجديد للثانية لتقديمه في الاجتماع التاسع والعشرين للمؤتمر العام للأوزان والمقاييس المقرر عقده في عام 2030، مع وضع مقترح لتاريخ تنفيذه.














