حينما كانت الصحفية لورا هول تقف في مخبز بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن، منتظرة دورها لشراء شرائح من كعكة الليمون المفغطاة بالسكر، تفاجأت عندما وصل الدور إليها أنها لا تعرف كلمة واحدة تؤدي تمامًا وظيفة كلمة من فضلك في الإنجليزية.

لم يكن الأمر عائدًا إلى تقصيرها في الإعداد لمثل هذه اللحظة، وليس لعدم معرفتها باللغة الدنماركية أيضًا، إنما كان الأمر، وببساطة شديدة، يعود إلى عدم وجود كلمة شاملة تؤدي الدور الذي تؤديه كلمة من فضلك في الإنجليزية أو أي لغة أخرى.

والأمر لا يقتصر على الدنماركية وحدها، إذ لا توجد كلمة شاملة تؤدي الوظيفة نفسها في اللغات السويدية والنرويجية والأيسلندية والفنلندية، وهو ما يثير تساؤلًا حول كيفية التعبير عن الأدب في مجتمعات لا تعتمد على هذه العبارة الشائعة في لغات أخرى.

وبحسب تقرير نشرته "بي بي سي ترافل"، فإن غياب المقابل المباشر لكلمة "من فضلك" لا يعني أن سكان هذه البلدان أقل تهذيبًا، وإنما يعكس اختلافًا في أساليب التواصل والعادات الاجتماعية.

ففي الدنمارك، يمكن التعبير عن الأدب باستخدام عبارة "må jeg bede om"، التي تعني "هل يمكنني أن أطلب؟"، بينما يضيف السويديون أحيانًا كلمة "tack"، أي "شكرًا"، إلى طلباتهم. أما في النرويج، فقد تؤدي نبرة الصوت والابتسامة دورًا في إظهار التهذيب.

وتوضح دانييلا هوملغرين، معلمة اللغة الدنماركية، أن التواصل في هذه المجتمعات يتسم عمومًا بالمباشرة، وأن الكفاءة تحظى بالتقدير، مشيرة إلى أن الإفراط في المجاملات قد يُنظر إليه باعتباره أمرًا مزعجًا إذا أدى إلى إبطاء التعاملات.

المساواة الاجتماعية تفسر جانبًا من الظاهرة

يربط عالم اللغويات جيمس بوتشوفسكي، الباحث في مركز نينوشك للثقافة، هذه الاختلافات بطبيعة المجتمعات الإسكندنافية التي تولي أهمية للمساواة بين الأفراد، مع حضور أقل للفوارق الاجتماعية في التعاملات اليومية.

ومن مظاهر ذلك تراجع استخدام ألقاب المخاطبة الرسمية، مثل "السيد" و"السيدة"، بما يعكس ميلًا إلى تقليل إبراز المكانة الاجتماعية والفوارق الطبقية.

ويرتبط هذا التوجه بما يُعرف بـ"قانون يانته"، وهو مفهوم إسكندنافي يقوم على فكرة ألا يعتبر الفرد نفسه أكثر أهمية أو تميزًا من الآخرين. وفي هذا السياق، لا يشترط التعبير عن الاحترام استخدام كلمات تحمل دلالات التبجيل، إذ يمكن أن تؤدي صياغة الطلب ونبرة الصوت وسياق الحديث الدور نفسه.

ويمتد هذا النمط الاجتماعي إلى فنلندا، رغم أن اللغة الفنلندية تنتمي إلى عائلة لغوية مختلفة عن الدنماركية والسويدية والنرويجية والأيسلندية.

ويقول بوتشوفسكي إن اللغة تتجاوز الكلمات، لتشمل أيضًا الطريقة التي تُطرح بها الأفكار.

"شكرًا" تؤدي دورًا في الطلب

في التعاملات اليومية، يمكن للزائر استخدام كلمات الشكر المتداولة في كل بلد؛ ففي السويد تُستخدم كلمة "tack"، وفي الدنمارك "tak"، وفي النرويج وأيسلندا "takk"، بينما يستخدم الفنلنديون كلمة "kiitos".

وتشير أبحاث أخرى تناولت استخدام كلمة "tack" في اللغة السويدية إلى ارتباطها بقيم المساواة والتبادل المتكافئ، أكثر من ارتباطها بالتبعية أو التوقير.

وتنصح هوملغرين المسافرين بملاحظة أساليب التواصل المحيطة بهم، والانتباه إلى نبرة الصوت ولغة الجسد وطريقة مخاطبة الآخرين، للتعرف على مستوى المجاملة المناسب في المواقف المختلفة.

وتوضح أن المبالغة في إظهار الأدب قد تبدو غير مألوفة، بل قد تثير الشكوك أحيانًا. وضربت مثالًا بإرسال بطاقة شكر ورقية بعد مقابلة عمل، وهو تصرف قد يُنظر إليه باعتباره مبالغًا فيه، وربما يوحي بأن صاحبه يسعى إلى الحصول على منفعة.

وهكذا، لا يتوقف التعبير عن الأدب على وجود كلمة محددة تقابل "من فضلك"، بل يتشكل وفق اللغة والعادات الاجتماعية وسياق التعامل. وبالنسبة إلى المسافرين، فإن فهم هذه الاختلافات وملاحظة أساليب التواصل المحلية يساعدان على التعامل بصورة أكثر ملاءمة للثقافة التي يزورونها.