بعد عقود من التقدم في مكافحة الأمراض المعدية، تعود الحصبة لتثير القلق الصحي مع ارتفاع الإصابات والوفيات عالميًا، رغم توافر لقاح فعال للوقاية منها. وفي أحدث تطور، أعلنت السلطات الصحية في ولاية نيويورك الأمريكية، وفاة طفل مرتبطة بتفشي الحصبة في مقاطعة لويس، ووصفتها بأنها أول وفاة معروفة مرتبطة بالمرض في الولاية منذ أكثر من 30 عامًا، ما يعيد تسليط الضوء على مخاطر تراجع معدلات التحصين.

الحصبة.. عدوى شديدة الانتقال ومضاعفات خطيرة

لا تقتصر خطورة الحصبة على سرعة انتشارها، بل تمتد إلى مضاعفاتها الصحية التي قد تهدد حياة المصابين، خصوصًا الأطفال. فالمرض عدوى فيروسية شديدة الانتقال عبر الهواء، تنتشر عندما يتنفس الشخص هواءً ملوثًا بالفيروس أو يتعرض لرذاذ المصاب عند السعال والعطس. ويمكن للفيروس البقاء نشطًا ومعديًا في الهواء أو على الأسطح الملوثة لمدة تصل إلى ساعتين. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يستطيع المصاب الواحد نقل العدوى إلى ما يصل إلى 18 شخصًا آخر.
وتبدأ أعراض المرض عادة بعد 7 إلى 14 يومًا من التعرض للفيروس، وتشمل ارتفاع درجة الحرارة والسعال وسيلان الأنف واحمرار العينين، قبل ظهور الطفح الجلدي بنحو 3 إلى 5 أيام من بدء الأعراض. لكن الخطر الأكبر يكمن في المضاعفات المحتملة، ومنها الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ والإسهال الحاد والجفاف، وتزداد احتمالات المضاعفات الخطيرة لدى الأطفال دون الخامسة، خاصة المصابين بسوء التغذية أو ضعف المناعة.

دراسة ترصد انتكاسة في مكافحة الحصبة عالميًا

في محاولة لفهم أسباب عودة المرض عالميًا، كشفت دراسة نشرتها دورية "Nature Medicine"عن تراجع التقدم المحقق في مكافحة الحصبة، بعد سنوات من انخفاض الإصابات والوفيات. وشملت الدراسة الأطفال دون الخامسة في 204 دول وأقاليم خلال الفترة من 1990 إلى 2023، ورصدت تطورات معدلات الإصابة والوفيات وتغطية التطعيم، وهي نتائج تعكس العبء التاريخي للمرض ولا تمثل حصيلة التفشي الحالي.
وأظهرت الدراسة ارتفاع الإصابات المقدرة بنسبة 40% والوفيات بنسبة 12% بين عامي 2019 و2023، لتصل الإصابات بين الأطفال دون الخامسة إلى نحو 15.6 مليون حالة، مقابل 118 ألف وفاة في عام 2023. ويأتي هذا الارتفاع بعد تراجع طويل بين عامي 1990 و2019، شهد انخفاض الإصابات والوفيات عالميًا بنحو 80% و90% على التوالي، ما يعكس انتكاسة في مسار مكافحة المرض.
وتكشف معدلات التطعيم جانبًا مهمًا من هذه الانتكاسة؛ إذ انخفضت تغطية الجرعة الأولى من لقاح الحصبة من 83.6% عام 2019 إلى 81% في 2023، بينما ارتفعت تغطية الجرعة الثانية من 68.4% إلى 71.4% خلال الفترة نفسها. ورغم التحسن في الجرعة الثانية، لا تزال معدلات التحصين في مناطق عدة دون هدف أجندة التحصين العالمية 2030، المحدد عند 90%، ما يترك فجوات مناعية تسمح بانتشار الفيروس.

تداعيات كورونا تعرقل جهود التحصين

وفي تفسير أسباب التراجع، أشار تقرير منشور في مجلة "Nature" إلى أن جائحة كوفيد-19 تسببت في اضطراب برامج الصحة العامة وتمويلها، وأسهمت في تراجع معدلات التطعيم وإبطاء جهود التحصين. ومع ذلك، لا يمكن اختزال عودة الحصبة في تداعيات الجائحة وحدها، إذ تتداخل معها فجوات التغطية وصعوبة الوصول إلى الأطفال في بعض المناطق.
وتؤكد هذه المؤشرات أن توافر اللقاح لا يكفي وحده للقضاء على الحصبة، ما لم يصاحبه وصول منتظم إلى الأطفال واستكمال جرعتي التطعيم، إلى جانب استمرار برامج التحصين الروتينية وسد فجوات المناعة بين المجتمعات. فكل طفل لا يحصل على الحماية الكافية يمثل فرصة إضافية لانتقال العدوى، بينما يظل التطعيم الوسيلة الأهم للوقاية من مرض يمكن تجنب مضاعفاته ووفياته.