حين يسمع أحدهم كلمة فراولة طازجة يتبادر إلى ذهنه لونها الأحمر القاني، لكن إن ناولك أحدهم حبة ناضجة فوجدتها بيضاء ناصعة فهذا أمر يستحق التوقف حقًا. الغرابة هنا ليست في الشكل وحده، فالطريقة التي وصل بها العلماء إلى هذا التحول هي ما يستحق التأمل أكثر.
فقد كشف فريق بحثي دولي أن لمسة جينية واحدة دقيقة كانت كافية لتغيير هوية الفاكهة اللونية بالكامل، من دون المساس ببقية صفاتها، إذ نجحوا في تحويل فراولة حمراء إلى بيضاء عبر تعديل نسخة واحدة فقط من جين واحد.
هذا الإنجاز يحمل دلالة تتجاوز لون الفاكهة بمسافة واسعة، فهو يكشف عن أسلوب جديد للتعامل مع المحاصيل معقدة التركيب الجيني، ويفتح الباب أمام تحسين صفات أخرى مثل النكهة والقيمة الغذائية ومقاومة الإجهاد البيئي، وهو ما يجعله محط اهتمام كل من يتابع مستقبل الزراعة والغذاء عن قرب.
ثمانية أضعاف التعقيد
اللون الأحمر المألوف للفراولة ليس بسيطًا كما يبدو للوهلة الأولى، ذلك أنها تحمل ثماني مجموعات كروموسومية بدل مجموعتين كما هو الحال في معظم الكائنات، وهو ما يعرف علميًا بـ«الثمانية الصبغية»، ويؤدي إلى تكرار الجين الواحد في عدة نسخ متقاربة، ما يجعل تعديل صفة واحدة دون التأثير في أخرى تحديًا حقيقيًا واجه الباحثين لسنوات طويلة.
ويعود اللون الأحمر أساسًا إلى صبغات الأنثوسيانين، التي ينظم إنتاجها مسار كيميائي حيوي دقيق، ويقف خلفه عامل نسخ يحمل اسم « MYB10»، يتحكم في تشغيل عدة جينات مسؤولة عن إنتاج الصبغة.
وبسبب التعدد الصبغي في الفراولة تتوزع مهمة هذا الجين على عدة نسخ متماثلة لا تسهم جميعها بالقدر نفسه في نشاطه الوظيفي، وهو ما عقد أعمال البحث والتربية الانتقائية معًا، فتعديل نسخة أقل أهمية من نسخ الجين الواحد قد لا يُحدث أي تغيير ملحوظ في الصفة المستهدفة.
وحتى حين ظهرت في الطبيعة أصناف فراولة بيضاء اللون من تلقاء نفسها، بدت وكأنها تلمح إلى دور بعض متغيرات « MYB10» في تحديد لون الثمرة، لكن هذا التلميح ظل حبيس الافتراض، إذ عجز العلماء عن تأكيد دور نسخة بعينها في الأصناف التجارية على وجه اليقين.
البحث عن الخيط السائد بين ثماني نسخ
هذا العجز بالذات دفع فريقًا من جامعة كونجو الوطنية والمعهد الوطني لعلوم البستنة والأعشاب في كوريا، وجامعة تشونجبوك الوطنية، وجامعة فلوريدا، إلى معالجة المسألة بطريقة مبتكرة، فاستهدفوا نسخة جينية واحدة سائدة بدقة متناهية.
واستخدم الفريق، الذي نشر دراسته في مجلة « Horticulture Research » ، تقنية «كريسبر كاس9»، وهي أداة هندسة وراثية تتيح للعلماء قص جزء محدد من الحمض النووي وتعديله بدقة عالية،على صنف الفراولة التجاري المعروف باسم «فلوريدا برليانس»، وأدى تعطيل النسخة الجينية « MYB10-1B » إلى تحويل الثمار الحمراء إلى بيضاء بشكل مستقر ودائم.
و استعان الباحثون بتحليل النسخ الجيني، وهو أداة تقيس مستوى النشاط الجيني، فتبين أن MYB10-1B هي النسخة السائدة التي تتحكم في تراكم الأنثوسيانين المسؤول عن الصبغة أثناء نضج الثمرة. كانت هذه النسخة نشطة بقوة في الثمار الحمراء، بينما اكتفت النسخ الأخرى بإسهام محدود، ولم تستطع تعويض الفراغ حين عُطلت MYB10-1B.
وقد استثمر الفريق هذا الفارق الوظيفي في توجيه «كريسبر كاس9» للتمييز بين اختلافات دقيقة جدًا تفصل بين النسخ الجينية المتشابهة، فنجحت الأداة في استهداف MYB10-1B بمنتهى الدقة، متجنبة التأثير في نسخها القريبة.
من الحمرة إلى البياض... واختبارات تثبت الدقة
خضعت النباتات المعدلة بعد ذلك إلى سلسلة فحوصات دقيقة، هدفها التأكد من أن التعديل طال الجين المستهدف حصرًا دون سواه، وشملت هذه الفحوصات تحليل الانصهار عالي الدقة وتسلسل الأمبليكون المستهدف وإعادة تسلسل الجينوم الكامل، لتبين النتائج بعد ذلك أن النباتات ذات الثمار البيضاء حملت الطفرة في نسخة MYB10-1B تحديدًا، بينما لم تسجل بقية أجزاء الجينوم سوى تغيرات طفيفة جدًا لا تُذكر.
وقد بقيت الثمرة بيضاء طوال مراحل نموها، لكن بذورها احتفظت بلونها الأحمر، وهذا التباين يكشف عن اختلاف في تنظيم التصبغ بين أنسجة النبات الواحد، بينما أكدت تحليلات إضافية لنشاط الجينات أن تعطيل MYB10-1B خفض بشكل حاد نشاط ثلاثة جينات أخرى تعمل معه في خط إنتاج الأنثوسيانين واحدًا تلو الآخر، وهو ما يثبت أن MYB10-1B هو المفتاح الرئيسي المتحكم في لون قشرة الفراولة، لا مجرد أحد العوامل المشاركة فيه.
عندما تكون الدقة أقوى من القوة
ويصف الباحث المسؤول عن الدراسة ما تحقق، بقوله إن «هذا العمل يظهر أن الدقة تهم أكثر من القوة في المحاصيل عديدة الصبغيات»، ويوضح أن الفريق لم يحتج لتعطيل جميع نسخ الجين، إذ يضيف «أثبتنا أن تعديل نسخة واحدة سائدة التعبير كاف لإحداث تحول جذري ومستقر في الصفة الظاهرية»، ويختم بأن هذا النهج «يقلل الآثار غير المقصودة، ويفتح آفاقًا جديدة أمام علم الجينوم الوظيفي والتربية في المحاصيل ذات التراكيب الجينية المعقدة».
أبعد من اللون بكثير
ولا تتوقف تداعيات هذا الاكتشاف عند إنتاج فراولة بيضاء، فالاستراتيجية نفسها قابلة للتطبيق على محاصيل أخرى متعددة الصبغيات، لضبط صفات كالنكهة والقيمة الغذائية ومقاومة الإجهاد.
وقد يكتسب المربون (Breeders) بهذا الأسلوب قدرة أكبر على التحكم بصفة واحدة دون المساس بباقي الخلفية الجينية للأصناف المعتمدة تجاريًا، وهو ما يحافظ على قيمتها التجارية الأصلية بدل المخاطرة بها.
ويجعل التطور المستمر في جودة الجينومات المرجعية هذا النوع من الاستهداف أكثر قابلية للتطبيق يومًا بعد آخر.












