بحثت دراسة في دور العوامل الوراثية في السلوك الإجرامي، وما إذا كانت الجينات قد تؤثر في المسار الذي يسلكه الشخص، سواء بالاستمرار في ارتكاب الجرائم طوال حياته أو الاكتفاء بسلوكيات منحرفة خلال فترة المراهقة، ويعود هذا النقاش إلى عالم الجريمة الإيطالي تشيزاري لومبروزو، الذي حاول الربط بين بعض الصفات الجسدية والسلوك الإجرامي.
وقال أستاذ علم الاجتماع والجريمة عبد الرحمن بدوي، خلال حديثه لبرنامج "يا هلا" على قناة "روتانا خليجية"، إن لومبروزو فحص نحو 370 جثة لمجرمين، وربط بينها وبين مجموعة من السمات الجسدية، من بينها حجم الجمجمة والدماغ وشكل الأذن والأنف وطول اليدين.
لكن هذه الأفكار واجهت انتقادات علمية، من بينها اقتصار الفحوص على جثث رجال دون نساء، فضلًا عن وجود أشخاص يحملون الصفات الجسدية نفسها ولم ينخرطوا في الجريمة.
وأوضح بدوي أن المقصود بتأثير الوراثة هنا ليس انتقال السلوك الإجرامي نفسه من الآباء إلى الأبناء، وإنما احتمال وجود تأثير للجينات في بعض السلوكيات، مشيرًا إلى دور العوامل الاجتماعية والاضطرابات النفسية في تفسير السلوك الإجرامي.
تكوين الشخصية الإجرامية
وفي دراسة بعنوان "فحص الأسس الجينية لتصنيف موفيت النمائي: تحليل جيني سلوكي"، بحث عالم الجريمة في جامعة تكساس في دالاس، الدكتور جيه سي بارنز، وزملاؤه، العلاقة بين العوامل الوراثية ومسارات السلوك الإجرامي، وفقًا للموقع الرسمي لجامعة تكساس في دالاس.
وشارك في إعداد الدراسة الدكتور كيفن إم. بيفر من جامعة ولاية فلوريدا، والدكتور برايان بي. بوتويل من جامعة سام هيوستن الحكومية، ونُشرت في مجلة "Criminology" عام 2011.
واعتمد الباحثون على تصنيف وضعته عالمة الجريمة الدكتورة تيري موفيت، يقسم الأشخاص إلى 3 مسارات: مرتكبو الجرائم المستمرة طوال الحياة، ومن تقتصر جرائمهم على فترة المراهقة، وأشخاص لا ينخرطون في السلوك الإجرامي.
وحاول الباحثون معرفة ما إذا كانت الجينات يمكن أن تساعد في تفسير المسار الذي ينتهي إليه الفرد، ولذلك استخدم بارنز وزملاؤه بيانات من الدراسة الوطنية الطولية لصحة المراهقين، وحللوا أزواجًا من الأشقاء بلغ عددهم 2,284 شخصًا، تراوحت أعمارهم بين 11 و27 عامًا، لمقارنة تأثير العوامل الوراثية والبيئية.
حتى 70%.. ماذا كشفت الدراسة عن دور الجينات؟
أظهرت النتائج أن العوامل الوراثية كان لها تأثير ملحوظ في المسارات الثلاثة، لكن حجم هذا التأثير اختلف من مجموعة إلى أخرى، وقال بارنز: "كانت الاستنتاجات العامة أن التأثيرات الوراثية في استمرار ارتكاب الجرائم طوال الحياة كانت أكبر من التأثيرات البيئية".
وأضاف أن العوامل الوراثية والبيئية كان لها تأثير متقارب لدى الأشخاص الذين لم ينخرطوا في الجريمة، بينما بدت البيئة العامل الأكثر أهمية لدى من اقتصرت جرائمهم على فترة المراهقة.
ووفق الدراسة، فسرت العوامل الوراثية ما بين 56 و70% من الاختلاف في تصنيف الأشخاص ضمن فئة مرتكبي الجرائم المستمرة طوال الحياة، مقابل 35% لدى مرتكبي الجرائم التي تقتصر على فترة المراهقة، و56% لدى الممتنعين عن ارتكاب الجرائم.
لكن الدراسة لم تحدد جينات بعينها تقف وراء هذه المسارات، وقال بارنز إن تحديد هذه الجينات ومعرفة كيفية تفاعلها مع البيئة سيكون مجالًا مهمًا لمزيد من البحث.
لا يوجد "جين للجريمة"
ورغم النتائج، شدد بارنز على أنه "لا يوجد جين للسلوك الإجرامي"، موضحًا أن الجريمة سلوك مكتسب، لكنه أشار إلى احتمال وجود مئات، وربما آلاف، الجينات التي قد تزيد تدريجيًا من احتمالية تورط الشخص في جريمة، حتى لو كان تأثير كل جين محدودًا.
وتظل العلاقة بين الجينات والجريمة موضع نقاش في علم الجريمة، الذي ركز لعقود على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة في السلوك المنحرف.
وقال بارنز: "بصراحة، آمل أن يعترض الناس عندما يقرؤون هذا الكلام ويبدأوا في مناقشته وتوجيه الانتقادات لأن ذلك يعني أن الناس يفكرون فيه ويضعونه في اعتبارهم".














