اكتُشف في خمسينيات القرن الماضي، عظم صغير في جمهورية الكونغو، يحمل عشرات الشقوق المتوازية، أطلق عليه لاحقًا «عظمة إشانجو»، ليصبح شاهدًا على بداية رحلة البشر في عالم الأرقام.
حيث استخدم الإنسان القديم أدوات بسيطة، بل بدائية، لتمثيل فكرة العدّ وتسجيلها، و«عظمة إشانجو» ليست مجرد قطعة عظمية منقوشة؛ بل تمثّل أوّل دليل مادي على بداية استخدام البشر لأنظمة حسابية بدائية قبل أكثر من 20 ألف عام.
وبحسب ما ذكره عالم الآثار ألكسندر مارشاك عام 1970، فإن «العظمة كانت على الأرجح تقويمًا قمريًا يمتد لستة أشهر»، ما يدلّ على اهتمام الإنسان القديم بحساب الزمن بناءً على حركة القمر.
يرجّح المؤرخون أن أولى محاولات العدّ ارتبطت بالملاحظة، وتحديدًا لما يراه الإنسان في السماء. يقول المؤرخ الدنماركي ينس هُيرب: «لم يكن هناك ضوء صناعي، فقط نيران الكهوف. وعندما تغيب الإضاءة، تتحوّل السماء إلى مسرح مذهل للنجوم».
في هذا السياق، اعتبر البشر الأوائل القمر أداةً طبيعية لقياس الزمن، فراحوا يتابعون أطواره ويسجلون دورته عبر نقش علامات على العظام.
إلى جانب «إشانجو»، اكتشفت «عظمة ليبومبو» في سبعينيات القرن الماضي بجنوب إفريقيا، وتعود إلى ما يقارب 43 ألف سنة. حملت هذه العظمة بدورها علامات مماثلة، يُعتقد أنها سجّلت دورات قمرية أو طمثية بشرية، وهو ما يعزز فكرة أن العدّ بدأ كاستجابة لحاجة حياتية مرتبطة بتنظيم الوقت.
العدّ هو البوابة، لكن الرياضيات شيء أوسع. هي منهج منطقي لاستكشاف الأنماط والعلاقات. ويكاد يكون هذا التمييز هو ما جعل الرياضيين يفصلون بين مرحلة العدّ القديم، ومرحلة تطور المفاهيم المجردة.
هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء على مراحل، كان أبرزها ما شهدته بلاد الرافدين.
في مدينة أوروك جنوب العراق، قبل أكثر من 4500 سنة، بدأ السومريون بابتكار ما يمكن اعتباره أول نظام عددي منظم. استخدموا الرموز الطينية لكتابة أرقامهم على ألواح الطين بأسلوب الكتابة المسمارية. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل أسّسوا نظامًا ستينيًا (يعتمد على العدد 60) ما يزال يُستخدم حتى اليوم في قياس الزوايا والوقت.
يقول أستاذ الرياضيات في جامعة سانت لورانس، دنكان ميلفيل: «لم يكن هدف السومريين مجرد عدّ السلع، بل احتاجت إدارتهم البيروقراطية لمعرفة الكميات بدقة». أضاف: «لذلك طوّروا جداول للضرب والقسمة، وصيغًا لحساب المساحات». هذه الحاجة الإدارية أدت إلى نشوء علمَي الحساب والهندسة العملية.
امتد الإرث السومري عبر البابليين، وانتقل التأثير لاحقًا إلى مصر، ثم إلى اليونان، حيث ظهرت مفاهيم مثل البرهان والاستدلال المنطقي. في الهند، تطوّر مفهوم الصفر، وفي الصين ازدهرت جداول الضرب. أما في العصر الإسلامي، فقد جمع علماء مثل الخوارزمي التراث السابق وأضافوا إليه مفاهيم جديدة، خصوصًا في الجبر.
ورغم أن العدّ قديم قِدم الإنسان، فإن أكثر فروع الرياضيات تعقيدًا لم تظهر إلا حديثًا نسبيًا. ففي أواخر القرن السابع عشر، شهدت أوروبا الغربية سباقًا محمومًا حول من يستحق لقب «مخترع حساب التفاضل والتكامل». كانت المنافسة بين إسحاق نيوتن، الذي قدّم عمله في «المبادئ الرياضية» عام 1687، وبين جوتفريد لايبنتز الذي نشر نتائجه قبل ذلك ببضع سنوات.
واشتعل الجدل، وتبادل الطرفان اتهامات تتعلق بسرقة الأفكار، إلا أن المؤرخين اليوم يميلون إلى القول إن كليهما توصل إلى الاكتشاف بشكل مستقل.
اقرأ أيضًا:
ستيتة المحاملي.. عالمة الرياضيات البغدادية المنسية