حين نفكر في باب المندب، تتبادر إلى الأذهان السفن وناقلات البضائع، لكن تحت سطح المياه تمر مسارات تحمل جزءا كبيرا من حركة البيانات بين القارات. فكابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع البحر تمثل العمود الفقري للاتصالات الدولية، ويتركز جزء مهم من هذه الشبكة في البحر الأحمر، ما يجعل باب المندب ممرا استراتيجيًا للإنترنت، لا للتجارة البحرية وحدها.

وبحسب تقرير نشره موقع Rest of World في أكتوبر ، تمر أكثر من 90% من سعة البيانات بين أوروبا وآسيا عبر كابلات البحر الأحمر، التي تدخل إليه من مضيق باب المندب، الواقع بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويقل عرضه عن 32 كيلومترا.

لماذا يمر الإنترنت عبر البحر؟

تعتمد الاتصالات الدولية بدرجة كبيرة على كابلات الألياف الضوئية البحرية، التي تنقل البيانات بين الدول والقارات. ورغم وجود مسارات برية بديلة، فإن الكابلات البحرية تظل أقل تكلفة، ما يجعلها الخيار المفضل لشركات الاتصالات ومشغلي الخدمات الرقمية.

وتعتبر المسارات البحرية أرخص بكثير، مع وجود توقعات أن تظل البدائل البرية غير مستخدمة على نطاق واسع إلى أن تستدعي الحاجة تشغيلها عند حدوث قطع في أحد الكابلات البحرية. لكن الاعتماد على هذه الكابلات يخلق تحديا عندما تتركز مسارات متعددة في ممر جغرافي واحد. فوجود أكثر من كابل لا يعني بالضرورة وجود مسارات بديلة فعالة، إذا كانت جميعها تمر عبر المنطقة البحرية نفسها.

نقطة اختناق رقمية

تزداد أهمية هذا الممر مع تصاعد المخاطر الأمنية في محيط البحر الأحمر. وأشار تقرير "Rest of World" إلى أن شركات الحوسبة السحابية تبحث عن طرق بديلة لنقل البيانات بعيدا عن المنطقة، مع تزايد المخاوف من تعطل الكابلات نتيجة الصراع الدائر قرب اليمن.

ولا تقتصر المخاطر على احتمال قطع الكابلات، بل تمتد إلى صعوبة إصلاحها. إذ تستغرق أعمال الصيانة شهورًا، بسبب حاجة فرق الإصلاح إلى تصاريح وضمانات أمنية للعمل في المياه المتأثرة بالصراع.

وقد يستغرق إصلاح الكابل أسبوعًا إلى أسبوعين، بحسب توافر سفينة الإصلاح، لكن عمليات الإصلاح السابقة في البحر الأحمر استغرقت شهورًا بسبب انتظار ضمانات بعدم تعرض الفرق لإطلاق النار. وتعرضت ثلاثة كابلات في البحر الأحمر لأضرار عام 2024، يُرجح أنها نتجت عن مرساة سفينة شحن انجرفت بعد تعرضها لهجوم صاروخي. واستغرقت الإصلاحات أشهرا.

بدائل برية للإنترنت البحري

بدأت شركات التقنية في البحث عن بدائل برية تقلل اعتمادها على ممر البحر الأحمر. واشترت Google في سبتمبر أزواج ألياف ضوئية تمتد بمحاذاة خطوط أنابيب حكومية في تركيا، مقابل تكلفة أعلى من المتوقع للمسارات الجديدة العابرة للبلاد.

كما بدأت Google وMeta في تمرير جزء من حركة البيانات الفعلية عبر مسار بري يمر بالعراق، بعدما كان مخصصًا للاستخدام الاحتياطي.

وأعلنت Microsoft في 23 سبتمبر خططا لاستثمار أكثر من 400 مليون دولار في وصلات بحرية وبرية في الشرق الأوسط بحلول عام 2030. كذلك وقّع العراق عقدا مع شركة الاتصالات القطرية Ooredoo في 10 سبتمبر لنقل البيانات باتجاه أوروبا عبر مسار بري يبدأ من ميناء الفاو جنوب البلاد.

ومع ذلك، تظل المسارات البحرية أقل تكلفة، ما يفسر استمرار الاعتماد عليها. ويعني اللجوء إلى البدائل البرية دفع تكاليف إضافية لتأمين مسارات لا تتعرض للمخاطر الجغرافية والأمنية نفسها.

حضور سعودي

ترتبط المملكة العربية السعودية بهذه البنية الرقمية عبر مشروعات موثقة على ساحل البحر الأحمر، من بينها كابل ""2Africa، الذي أعلنت شركة "سنتر 3"، التابعة لمجموعة stc، إنزاله في جدة وينبع في 3 مايو 2023.

ويمتد الكابل نحو 45 ألف كيلومتر، ويربط 46 محطة إنزال في 33 دولة عبر قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا. ويضم اتحاد مشغليه شركات من بينها Meta وOrange وVodafone وTelecom Egypt، إلى جانب "سنتر 3" وشركات أخرى. وذكرت الشركة أن خطط إنزال الكابل في السعودية تشمل محطات جدة وينبع وضباء والخبر، إذ يتمثل هدفها في جعل السعودية مركزا للاتصالات الدولية بين القارات الثلاث، ومركزا لمراكز البيانات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتشمل مشروعات stc أيضا "Saudi Vision Cable"، الذي يمتد نحو 1,160 كيلومترا ويربط محطات الإنزال في جدة وينبع وضباء وحقل. ويهدف الكابل إلى إتاحة الوصول إلى محطات الكابلات البحرية على ساحل البحر الأحمر، وتوفير مسارات اتصال بزمن استجابة منخفض.

وتوضح هذه المشروعات وجود بنية للكابلات البحرية على الساحل الغربي للمملكة، واتصالها بشبكة الكابلات الدولية العابرة للبحر الأحمر. لكنها لا تعني أن جميع حركة الإنترنت في السعودية تمر عبر باب المندب.

وتكشف أهمية باب المندب الرقمية أن مرونة الإنترنت لا تتوقف على عدد الكابلات، بل ترتبط أيضا بتنوع المسارات الجغرافية وإمكانية الوصول إليها وإصلاحها عند تعطلها. فحين تمر كابلات عديدة عبر ممر واحد، قد لا يوفر الانتقال إلى كابل آخر حماية كافية إذا تعرضت المنطقة نفسها للاضطراب.