شاهد البشر أقل من 0.001% من قاع المحيطات العميقة، فيما لم تُستكشف بصريًا بعد ما وراء هذه المساحة، وفقًا لـ بيانات الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA. وخلافًا للحياة على سطح الأرض، تختبئ بيئات لا تشبه ما نعرفه: كائنات تعيش في ظلام دائم، ومجتمعات تعتمد على الطاقة الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس، وبرك شديدة الملوحة تحتجز الحيوانات التي تسقط فيها، وأنواع لا تظهر إلا في لقطات نادرة من رحلات الاستكشاف.
القارة الثامنة
«القارة الثامنة» هي عالم الأعماق الذي لا تزال أجزاء واسعة منه مجهولة، وليس قارة جغرافية بالمعنى المعروف. في هذا العالم، لا يقتصر السباق العلمي على العثور على كائنات غريبة، بل يمتد إلى فهم مصادر الطاقة التي تدعم الحياة، واكتشاف أنظمة بيئية لم تكن معروفة، وحسم أسئلة قد تغير تصورات العلماء عن حدود الحياة على الأرض.
ولا تعتمد بعض المجتمعات الحية على البناء الضوئي الذي يغذي معظم السلاسل الغذائية على سطح الأرض في الأعماق السحيقة؛ إذ لا يصل ضوء الشمس. وبدلًا من ذلك تستخدم كائنات دقيقة الطاقة الناتجة عن تفاعلات كيميائية لتصنيع المواد العضوية، في عملية تُعرف باسم التخليق الكيميائي.
تعيش مجتمعات كاملة حول الفتحات الحرارية المائية والتسربات الكيميائية في قاع البحر، فيما تستفيد الميكروبات من مركبات مثل كبريتيد الهيدروجين، ثم تعتمد عليها كائنات أكبر، من الديدان الأنبوبية والمحار إلى السرطانات والأسماك، حسب مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات.
عندما تتسرب مياه البحر إلى شقوق القشرة الأرضية، وتسخن بفعل النشاط الجيولوجي، تنشأ الفتحات الحرارية ثم تعود إلى المحيط محملة بالمعادن والمركبات الكيميائية. وقد تتجاوز حرارة السوائل الخارجة من بعض هذه الفتحات 400 درجة مئوية، فيما تعيش الكائنات المحيطة بها في مياه باردة وتحت ضغط هائل.
وفي أكتوبر 2024، كشف بحث نشرته مجلة Nature Communications، دليلًا على وجود حياة مرتبطة بهذه البيئات على كائنات تعيش حتى فوق قاع البحر. وحسب رويترز، تم العثور على ديدان أنبوبية وقواقع وديدان بحرية داخل تجاويف تحت القشرة الصخرية لقاع المحيط الهادئ، قرب فتحات حرارية مائية على عمق نحو 2515 مترًا.
الروبوت الغاطس والأكسجين المظلم
الروبوت الغاطس «SuBastian» كان وسيلة الباحثين لتكسير أجزاء من القشرة والكشف عن تجاويف مملوءة بالسوائل الدافئة. وأظهرت النتائج أن النظام البيئي المرتبط بالفتحات الحرارية يمتد إلى ما تحت قاع البحر نفسه، وأن الحياة في الأعماق قد تكون أوسع انتشارًا مما تكشفه عمليات الرصد التقليدية من سطح القاع.
في يوليو 2024، رصدت مجلة Nature Geoscience دراسة ارتفاعًا في مستويات الأكسجين داخل تجارب أُجريت في قاع المحيط الهادئ، في منطقة غنية بالعقيدات متعددة المعادن. واقترح الباحثون أن هذه العقيدات قد تعمل مثل بطاريات طبيعية، وتوفر طاقة تسمح بإنتاج الأكسجين من مياه البحر في غياب الضوء؛ وهي الظاهرة التي عُرفت إعلاميًا باسم «الأكسجين المظلم».
أثارت الفرضية اهتمامًا واسعًا، لأنها تتحدى التصور المعتاد بأن إنتاج الأكسجين في معظم النظم البيئية يعتمد على البناء الضوئي. كما فتحت بابًا للتساؤلات عن مصادر الأكسجين في البيئات العميقة، وإمكانات وجود عمليات كيميائية غير مكتشفة بعد.
أنهار غارقة وبرك تقتل ما يسقط فيها
لا تقتصر غرائب الأعماق على الفتحات الحرارية؛ ففي بعض المواقع، تتجمع مياه شديدة الملوحة في أحواض بقاع البحر، وتظل منفصلة عن المياه المحيطة بسبب اختلاف الكثافة. وقد تبدو هذه البرك كأنها بحيرات داخل المحيط، بينما تشبه حواف بعضها شواطئ صغيرة أو جدرانًا معدنية.
ومن أشهر الأمثلة «حوض اليأس الساخن» في خليج المكسيك، وهو بركة ملحية تقع على عمق يقارب ألف متر. ووفقًا لتقرير Live Science، تصل ملوحة مياهها إلى نحو أربعة أمثال ملوحة مياه البحر المحيطة، كما تحتوي على تركيزات مرتفعة من كبريتيد الهيدروجين والميثان. وتؤدي هذه الظروف إلى قتل كثير من الحيوانات التي تدخلها، فيما قد تبقى جثثها محفوظة داخل البركة.
وفي البحر الأحمر، قرب الساحل السعودي لخليج العقبة، اكتشف باحثون مجموعة من البرك الملحية المعروفة باسم برك نيوم. ووفقًا للدراسة المنشورة في Communications Earth & Environment عام 2022، يقع التجمع على عمق نحو 1770 مترًا، ويضم بركة رئيسية تبلغ مساحتها قرابة عشرة آلاف متر مربع، إلى جانب ثلاث برك أصغر.
وتكشف القياسات أن الملوحة داخل البركة الرئيسية تصل إلى نحو 160 وحدة من الملوحة، فيما ينخفض الأكسجين بشدة أسفل الحد الفاصل بين المحلول الملحي ومياه البحر. وتؤدي هذه الظروف إلى استبعاد كثير من الحيوانات الكبيرة التي تعيش في قاع البحر، بينما تسمح بوجود مجتمعات من الميكروبات المتكيفة مع الملوحة المرتفعة ونقص الأكسجين.
ولا تمثل برك نيوم مجرد ظاهرة غريبة؛ إذ يرى الباحثون أن الرواسب المحفوظة تحتها قد تسجل آثار أحداث بيئية وجيولوجية سابقة، مثل السيول المفاجئة وأمواج التسونامي والنشاط الزلزالي، ما يجعلها أرشيفًا طبيعيًا يمكن أن يساعد على إعادة بناء تاريخ المنطقة. وهنا تتجلى المفارقة: بيئة قد تكون قاتلة لكثير من الكائنات توفر في الوقت نفسه فرصة علمية نادرة لفهم الحياة المتطرفة وتاريخ قاع البحر.




