لم يعد السباق على الذكاء الاصطناعي محصورًا في تطوير النماذج وامتلاك الرقائق الأسرع، فخلف كل إجابة يولّدها نموذج ذكي، وكل عملية حسابية تنفذها أنظمة الذكاء الاصطناعي، تقف بنية تحتية تحتاج إلى خوادم وشبكات وتبريد، وقبل ذلك كله، كهرباء موثوقة ومياه تكفي لتبديد الحرارة، ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز حجم الاستثمارات المعلنة: هل تستطيع البنية التحتية توفير ما تحتاج إليه مراكز بيانات المستقبل كي تعمل؟

في السعودية، تتضح ملامح هذا السباق من خلال مواعيد معلنة لتشغيل مناطق سحابية جديدة، وشراكات تجمع شركات التقنية العالمية بـ«هيوماين»، وخطط تستهدف رفع سعات مراكز البيانات إلى مئات الميغاواطات، وصولًا إلى الغيغاواط، لكن هذه الأرقام لا تمثل كلها منشآت جاهزة؛ فبعضها يرتبط بمواعيد إتاحة محددة، وبعضها الآخر أهداف مستقبلية تتوقف على التنفيذ والتزامات العملاء وتوفير البنية التحتية اللازمة.

وتكشف هذه الخطط أن التحدي لم يعد رقميًا فقط. فكلما ارتفعت قدرات المعالجة المطلوبة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، ازدادت أهمية الطاقة والتبريد والمياه في تحديد ما يمكن بناؤه، ومتى يصبح جاهزًا للعمل.

الكهرباء.. الشرط الذي لا يمكن تجاوزه

تضع وكالة الطاقة الدولية الطاقة في قلب العلاقة بين الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ففي تقريرها «الطاقة والذكاء الاصطناعي»، تشير إلى أن مركز بيانات مخصصًا للذكاء الاصطناعي قد يستهلك كهرباء تعادل استهلاك 100 ألف منزل، فيما قد تصل احتياجات أكبر المراكز الجاري إنشاؤها إلى عشرين ضعف ذلك.

وتوضح الوكالة أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء عالميًا في عام 2024، بما يعادل 1.5% من الاستهلاك العالمي.

كما ارتفع استهلاكها للكهرباء بمعدل سنوي بلغ نحو 12% منذ عام 2017، أي بأكثر من أربعة أضعاف معدل نمو الاستهلاك الإجمالي للكهرباء.

وفي السيناريو الأساسي للوكالة، يُتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء تقريبًا ليصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030. ومع ذلك، تظل التقديرات مرتبطة بسرعة انتشار الذكاء الاصطناعي، وكفاءة الأجهزة والبرمجيات، وقدرة قطاع الطاقة على إزالة الاختناقات التي قد تعرقل التوسع.

المشكلة أن بناء مركز بيانات قد يستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام، وفق الوكالة، بينما يحتاج تطوير منظومة الطاقة وتوسيع الشبكات إلى تخطيط واستثمارات وفترات تنفيذ أطول. وهذا الفارق الزمني قد يجعل الكهرباء عاملًا حاسمًا في تحديد سرعة نمو البنية الرقمية، حتى عندما تكون الخوادم والتقنيات المطلوبة متاحة.

منطقتان سحابيتان بموعدين معلنين

في السعودية، يحمل عام 2026 محطتين معلنتين في توسع البنية السحابية. فقد أكدت مايكروسوفت أن منطقة مراكز البيانات «السعودية الشرقية» ستصبح متاحة للعملاء في نوفمبر 2026. وتقع المنطقة في المنطقة الشرقية، وتتضمن ثلاث مناطق إتاحة لمنصة «أزور»، بما يسمح للجهات الحكومية والشركات بتشغيل أعباء العمل السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي محليًا، مع استضافة البيانات داخل المملكة.

ويمثل الموعد المعلن انتقال المشروع إلى مرحلة الإتاحة للعملاء، وليس مجرد إعلان عن استثمار مستقبلي. وتربط الشركة المنطقة الجديدة بتزايد انتقال المؤسسات من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى استخدامه في العمليات الفعلية، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى استضافة محلية للبيانات ومستويات مرتفعة من الأمان والاعتمادية.

أما «أمازون ويب سيرفيسز» (AWS)، فأعلنت أن منطقتها السحابية الأولى في المملكة تسير وفق الخطة للإطلاق في ديسمبر 2026. وبالتوازي مع ذلك، اتفقت الشركة مع «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، على إتاحة سعة تصل إلى 50 ميغاواط في أول منطقة للذكاء الاصطناعي في السعودية بحلول عام 2028.

وتتضمن الشراكة استخدام رقائق «Trainium» من أمازون، إلى جانب بنية الذكاء الاصطناعي من «إنفيديا»، لتشغيل مهام التدريب والاستدلال. كما تشمل إتاحة النموذج اللغوي العربي «علّام» عبر منصة Amazon Bedrock.

والفرق بين المسارين أن مايكروسوفت أعلنت موعد إتاحة منطقتها السحابية في نوفمبر، فيما تستهدف AWS إطلاق منطقتها في ديسمبر، مع هدف إضافي لتوفير 50 ميغاواط من سعة الذكاء الاصطناعي بحلول 2028. أما مدى نمو الاستخدام بعد الإطلاق، فسيعتمد على احتياجات العملاء وتوسع الطلب.

هيوماين.. شراكات لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي

تتجاوز خطط هيوماين توفير خدمات الحوسبة السحابية، إذ تشمل بناء بنية تحتية مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على نطاق واسع. وفي مايو 2025، أعلنت الشركة شراكة استراتيجية مع «إنفيديا» لبناء ما وصفته بمصانع الذكاء الاصطناعي في المملكة، بقدرة مستهدفة تصل إلى 500 ميغاواط خلال السنوات الخمس التالية.

وتتضمن المرحلة الأولى المعلنة حاسوبًا فائقًا للذكاء الاصطناعي يضم 18 ألف وحدة من رقائق NVIDIA GB300 Grace Blackwell، إلى جانب شبكات InfiniBand. وتستهدف هذه البنية دعم تدريب النماذج وتشغيلها، وتوفير قدرات حوسبة للصناعات والجهات التي تحتاج إلى معالجة كميات كبيرة من البيانات.

وفي نوفمبر 2025، أعلنت هيوماين اتفاقًا إطاريًا مع شركة «إكس إيه آي» (xAI)، التابعة لإيلون ماسك، لتصميم وبناء وتشغيل جيل جديد من مراكز بيانات وحدات معالجة الرسوميات في السعودية. وتضمن الإعلان مركزًا رئيسيًا بقدرة تتجاوز 500 ميغاواط، إلى جانب خطط لنشر نماذج «غروك» على مستوى المملكة ودمجها في منصة HUMAIN ONE.

وتعكس هذه الشراكات مسارين متكاملين: توفير البنية الحاسوبية التي تحتاج إليها النماذج الكبيرة، وربطها بمنصات الذكاء الاصطناعي والخدمات التي يمكن أن تستخدمها الجهات الحكومية والشركات. لكن القدرات المعلنة تظل أهدافًا للمشروعات، ولا تعني أن كامل السعة أصبح متاحًا بالفعل.

من مئات الميغاواطات إلى الغيغاواط

على مستوى البنية التحتية، تتجه خطط التوسع إلى أرقام أكبر من سعة منطقة سحابية واحدة. فقد أعلنت «سنتر 3»، التابعة لمجموعة stc، وهيوماين في ديسمبر 2025 اتفاقًا لتأسيس مشروع مشترك لتطوير وتشغيل مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي داخل المملكة.

ويستهدف المشروع قدرة تشغيلية تصل إلى غيغاواط واحد، على أن تبدأ المرحلة الأولية بسعة تصل إلى 250 ميغاواط، وفق الالتزامات التعاقدية مع العملاء. ويجمع المشروع بين خبرة سنتر 3 في مراكز البيانات والاتصال الإقليمي، وقدرات هيوماين في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي.

وفي خطة منفصلة للتوسع، أعلنت سنتر 3 في أغسطس 2025 استهداف الوصول إلى قدرة إجمالية تبلغ 300 ميغاواط بحلول 2027، ثم غيغاواط واحد بحلول 2030. وقالت الشركة إن خطتها تتضمن استثمارات إضافية بقيمة 10 مليارات دولار، فوق استثمارات سابقة بلغت 3 مليارات دولار.

وفي فبراير 2025، أعلنت «داتا فولت» بالتعاون مع نيوم استثمارًا بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في أوكساجون، بقدرة معلنة تبلغ 1.5 غيغاواط. وهو إعلان استثماري كبير، لكن الرقم يصف القدرة المستهدفة للمشروع، لا سعة عاملة يمكن إضافتها إلى إجمالي القدرة المتاحة حاليًا.

وتتطلب قراءة هذه الأرقام فصل المشروعات بعضها عن بعض: فهناك أهداف مرتبطة بمواعيد مثل 2027 و2030، ومشروع مشترك يبدأ بسعة أولية مشروطة بالتزامات العملاء، ومشروعات أُعلن عنها باستثمارات وقدرات مستهدفة. ولا يصح جمعها كما لو أنها جميعًا دخلت الخدمة بالفعل.

المياه.. كلفة التوسع التي لا تظهر في أرقام السعة

إذا كانت الكهرباء شرطًا لتشغيل الخوادم، فإن التبريد يمثل جانبًا آخر من احتياجات مراكز البيانات، خصوصًا في منطقة الخليج التي تواجه درجات حرارة مرتفعة وموارد مائية محدودة. وتستهلك المراكز كميات من المياه في أنظمة التبريد، فيما تعتمد دول خليجية على تحلية مياه البحر لتلبية جزء كبير من احتياجاتها، وهي عملية تتطلب بدورها طاقة وتنتج مياهًا شديدة الملوحة قد تؤثر في البيئة البحرية عند تصريفها.

ونقلت «عرب نيوز» في تقرير نشرته في أغسطس 2025 عن خافيير ألفاريز، من شركة FTI Consulting، تقديرًا بأن مراكز البيانات في السعودية استهلكت 15 مليار لتر من المياه خلال عام 2024. كما أشار التقرير إلى توقعات بارتفاع القدرة الإجمالية لمراكز البيانات في دول مجلس التعاون الخليجي من ما يزيد قليلًا على غيغاواط واحد إلى 3.3 غيغاواط بحلول 2030، وفق تقديرات الشركة.

وتبرز هنا أهمية أنظمة التبريد في تحديد الأثر البيئي للمشروعات الجديدة. فبدلًا من الاعتماد الكامل على أنظمة تكييف الهواء التقليدية، يمكن استخدام التبريد السائل الذي ينقل سائل التبريد مباشرة إلى الرقائق، بما يساعد على التخلص من الحرارة بكفاءة أعلى وتقليل استهلاك المياه والطاقة.

وبحسب خبراء نقلت عنهم «عرب نيوز»، قد تخفض أنظمة التبريد السائل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 92% في بعض التطبيقات، فيما يمكن أن تحقق وفورات في الطاقة تتراوح بين 20% و40%. لكن هذه الحلول ليست بلا كلفة؛ فهي تحتاج إلى استثمارات أولية وتجهيزات وصيانة متخصصة، كما أن اختيار سوائل التبريد يثير بدوره اعتبارات بيئية.

وتبقى تحلية المياه خيارًا متاحًا لدول الخليج، لكنها لا تلغي التحديات المرتبطة بكلفتها واستهلاكها للطاقة وآثار تصريف المحلول الملحي. لذلك، لا يتعلق التوسع المستدام ببناء مراكز أكبر فحسب، بل باختيار مواقعها وتقنيات تبريدها ومصادر الطاقة والمياه التي ستعتمد عليها.

السباق الحقيقي يبدأ بعد الإعلان

تضع الخطط السعودية البلاد أمام مرحلة جديدة من التوسع في البنية الرقمية، تقودها مناطق سحابية بمواعيد إتاحة معلنة، وشراكات دولية، ومشروعات تستهدف مئات الميغاواطات وصولًا إلى الغيغاواط. لكن الفارق بين إعلان القدرة وتشغيلها هو ما سيحدد حجم البنية المتاحة فعليًا خلال السنوات المقبلة.

ووفق وكالة الطاقة الدولية، لا يعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على سرعة تطوير التقنيات وحدها، بل على القدرة على توفير الكهرباء الموثوقة والمستدامة بالسرعة والحجم المطلوبين. وفي الخليج، يضاف إلى ذلك سؤال المياه وكفاءة التبريد، بما يجعل التخطيط للطاقة والموارد جزءًا أساسيًا من التخطيط الرقمي نفسه.

تبقى الأسئلة المفتوحة حقيقية: من أين ستأتي كهرباء غيغاواطات المراكز الجديدة؟ وكيف يُدار الماء في مناخ صحراوي؟ وهل تكتمل المشاريع المعلنة في مواعيدها؟ الإجابات ستُكتب في السنوات القليلة المقبلة، لكن اتجاه الرهان السعودي واضح ومعلن: أن تكون المنطقة منتجًا للذكاء الاصطناعي لا مستهلكًا له فقط.