لعقود كانت مراكز البيانات تقنية خلفية لا يُعنى بها إلا المتخصصون. ثم جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي فقلبت المعادلة؛ فتدريب النماذج الضخمة وتشغيلها يتطلب قوة حوسبة هائلة لا توفرها أجهزة المستخدمين، فتحولت مراكز البيانات إلى البنية الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي، وإلى ملف استراتيجي تتنافس عليه الحكومات قبل الشركات.
يقاس زخم هذا السباق بوحدات الطاقة الكهربائية؛ إذ توضح تقديرات وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات حول العالم استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة في عام 2024، ما يمثل قرابة 1.5% من إجمالي الاستهلاك العالمي، بعد نمو سنوي مستمر بمعدل 12% منذ عام 2017. وتشير توقعات السيناريو الأساسي للوكالة إلى تضاعف الاستهلاك ليبلغ نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، لترتفع حصة القطاع إلى قرابة 3% من كهرباء العالم، وبمعدل نمو سنوي يصل إلى 15%، متفوقًا بأربعة أضعاف على وتيرة نمو الطلب في سائر القطاعات الاقتصادية مجتمعة.
ويقود هذا الصعود السريع توسع الاعتماد على الخوادم المسرعة المخصصة للذكاء الاصطناعي، والتي ينمو استهلاكها الكهربائي بمعدل 30% سنويًا لتغطي وحدها نصف الزيادة الصافية في استهلاك المراكز حتى 2030. وتكشف بيانات الوكالة أن مركز البيانات النموذجي للذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة تعادل حاجة 100 ألف منزل، في حين ترتفع هذه المعدلات في المراكز العملاقة قيد الإنشاء لتصل إلى عشرين ضعف تلك القيمة. واستجابة لهذه المتطلبات، تضاعف الإنفاق الاستثماري العالمي على مراكز البيانات منذ 2022 ليبلغ نصف تريليون دولار في 2024، ليصبح قطاعًا يضاهي كبرى صناعات البنية التحتية الثقيلة.
جغرافيا الاستهلاك العالمي
وتعكس خريطة الطاقة تركزًا جغرافيًا حادًا؛ إذ استأثرت الولايات المتحدة في 2024 بنحو 45% من استهلاك مراكز البيانات عالميًا، وجاءت الصين ثانيًا بحصة 25%، تلتها أوروبا بنسبة 15%. ويبرز التباين الجغرافي في معدل استهلاك الفرد؛ إذ يسجل المواطن الأمريكي أعلى كثافة استهلاك بنحو 540 كيلوواط/ساعة سنويًا مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 1200 كيلوواط/ساعة بحلول 2030، مقابل متوسط يقل عن 2 كيلوواط/ساعة للفرد في إفريقيا. وتدفع هذه المعدلات المرتفعة الشركات العالمية إلى توجيه استثماراتها نحو وجهات جديدة توفر استقرار الشبكات ووفرة مصادر الطاقة والتكلفة التشغيلية المناسبة.
سيادة البيانات في السعودية
يوفر تشييد مراكز البيانات داخل الحدود الوطنية حماية مباشرة للسيادة الرقمية، ويمنح التطبيقات سرعة فائقة مع تقليص زمن الاستجابة إلى أدنى المستويات. وقد أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في فبراير 2025 إرشادات شاملة لتقييم مخاطر نقل البيانات الشخصية خارج السعودية. وتلزم هذه الأطر التنظيمية الجهات بإجراء تقييم دقيق للمخاطر عند التعامل مع البيانات الحساسة أو استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والقرارات المؤتمتة، والتأكد من كفاية الإجراءات التشريعية والتقنية في الدول المستقبلة، وصون المصالح الحيوية للسعودية، مع إلزام الجهات باعتماد البدائل المحلية داخل السعودية عند وجود مخاطر مرتفعة غير قابلة للاستدراك.
وشهدت السعودية تدفقات استثمارية كبرى من كبرى الشركات العالمية بالتزامن مع توفير البيئة التنظيمية المحفزة. ففي فبراير 2025 وخلال مؤتمرLEAP 2025 سُجلت صفقات بقيمة 14.9 مليار دولار في اليوم الافتتاحي، تضمنت اتفاقيات للهيئة السعودية للمدن الصناعية والمناطق التقنية، شملت مشروعًا مع شركة EzdiTek بقيمة 2.64 مليار ريال لإنشاء مركز سحابي بقدرة 64 ميجاواط في الرياض، واتفاقية مع شركة DataVolt بقيمة 2.5 مليار ريال، ومشروعًا لشركة Gulf Data Hub بقيمة 1.3 مليار ريال في الدمام وجدة، وتكاملًا بين مركز الملك عبد الله المالي (KAFD) وشركة Huawei لنشر حلول المدن الذكية وشبكات 5G-A
وفي مايو 2025، أعلنت شركة Oracle التزامها باستثمار 14 مليار دولار على مدى عشر سنوات لتوسيع خدماتها السحابية وحلول الذكاء الاصطناعي في السعودية، دعمًا لمنطقتيها في جدة المؤسسة عام 2020، والرياض المدشنة عام 2024 بالشراكة مع Center3 مع الإعداد لمنطقة ثالثة في نيوم.
وفي التوقيت نفسه، وقّعت شركة HUMAIN شراكة استراتيجية مع NVIDIA لبناء مصانع ذكاء اصطناعي بقدرة 500 ميجاواط، وتوسعت الشراكة في نوفمبر 2025 لنشر نحو 600 ألف معالج رسومات خلال ثلاث سنوات في السعودية والولايات المتحدة.
وجاء شهر أغسطس 2026 بإعلانات كبرى متزامنة؛ إذ أكدت Microsoft جاهزية منطقة مركز بيانات "شرق السعودية" للتشغيل في نوفمبر 2026 عبر ثلاث مناطق توافر لمنصةAzure وسط توقعات بإضافة 44 مليار دولار للاقتصاد وتوليد 100 ألف وظيفة وتدريب 3 ملايين شخص على مهارات الذكاء الاصطناعي. وأعلنت AWS إطلاق أول منطقة سحابية متكاملة في السعودية في ديسمبر 2026 باستثمارات تتجاوز 5.3 مليارات دولار، لتشمل توفير قدرة حوسبية للذكاء الاصطناعي تصل إلى 50 ميجاواط بحلول 2028 بالتعاون مع HUMAIN وإدارة 150 ألف وحدة معالجة رسومات في الرياض، لدعم مساهمة الذكاء الاصطناعي المتوقع أن تبلغ 130 مليار دولار في الاقتصاد المحلي بحلول 2030.
يتجاوز هذا السباق حدود السعودية عبر استثمارات محلية ودولية تعزز الحوسبة السيادية وسلاسل الإمداد العالمية. ومع تضاعف الإنفاق الذي يرى فيه المستثمرون بنية العقد المقبل، يؤكد الحضور السعودي المبكر رهانًا استراتيجيًا على استدامة هذا النمو طويل الأجل.




