حين ترفع صورة من هاتفك إلى تطبيق ما، أو ترسل رسالة، أو تدفع فاتورة إلكترونية، فأنت لا تخزن بياناتك في فضاء افتراضي خيالي، بل ترسلها إلى مبنى حقيقي مشيد من الخرسانة والفولاذ يضم آلاف الخوادم التي تعمل بلا توقف.

هذا المبنى هو "مركز البيانات"؛ المنشأة المخصصة لحفظ ومعالجة وتبادل البيانات. ورحلة صورتك تبدأ من الهاتف كإشارة لاسلكية تلتقطها أقرب أبراج الاتصالات، ثم تعبر كابلات الألياف الضوئية السريعة وصولًا إلى مركز البيانات المستضيف للتطبيق، حيث تُفحص أمنيًا وتُخزن في وسائط متقدمة، لتُعرض لمن تشاركهم إياها، ثم تعود في الاتجاه المعاكس حين يفتحها الطرف الآخر في أجزاء خاطفة من الثانية.

​بنية المراكز

​يعتمد مركز البيانات داخليًا على منظومة متناغمة من الأنظمة الأساسية التي تضمن استمرار العمل دون انقطاع؛ خوادم حوسبية تعالج الأوامر والبيانات، ووحدات تخزين تحفظ الملفات في نسخ متعددة وموزعة تحميها من التلف والضياع، وشبكات فائقة السرعة تنقل البيانات بين الخوادم وإلى المستخدمين، إلى جانب نظام كهربائي مزدوج مزود ببطاريات ومولدات احتياطية، وأنظمة تبريد تمنع ارتفاع حرارة العتاد.

وتتفاوت هذه المراكز في أحجامها وأدوارها؛ فهناك المراكز "المؤسسية" التي تملكها وتديرها جهة واحدة لحفظ بياناتها الخاصة، والمراكز "السحابية العامة" التي يشترك في استخدام مواردها ملايين العملاء عبر الإنترنت،

والمراكز "العملاقة" (Hyperscale) التي تديرها كبرى شركات التقنية بمساحات هائلة وآلاف الخوادم لتشغيل أعباء الذكاء الاصطناعي، ومراكز "الاستضافة المُدارة" التي توفر المساحات والعتاد للشركات لتجنيبها تكاليف البناء، وصولًا إلى المراكز "الطرفية" الصغيرة التي تُبنى بالقرب من المدن لتقديم استجابة فورية للتطبيقات اليومية.

ويرتبط بهذا التوصيف فارق جوهري بين "مركز البيانات" و"المنطقة السحابية"؛ فمركز البيانات هو المبنى المادي المفرد، أما "المنطقة السحابية" (Cloud Region) فهي نطاق جغرافي متكامل يضم عادةً عدة مراكز بيانات موزعة على ما يُعرف بـ "مناطق التوافر".

وتعمل كل منطقة توافر داخل الإقليم ببنية تحتية مستقلة تمامًا للطاقة والتبريد والشبكات لعزل الأعطال؛ فإذا توقف مبنى أو موقع نتيجة حادث طارئ، يستمر النظام بالعمل من خلال المراكز الأخرى دون انقطاع، مما يوفر مستويات متقدمة من المتانة واستمرارية الأعمال.

مراكز الحوسبة السعودية

​يكتسب موقع المركز أهمية كبرى لسببين؛ الأول تقني يخص "زمن الاستجابة"، فكلما اقترب المركز جغرافيًا من المستخدم قطعت البيانات مسافة أقصر، مما يمنح التطبيقات سرعة فائقة وتفاعلًا لحظيًا. والآخر تنظيمي يتعلق بسيادة وحماية البيانات؛ إذ وضعت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) إرشادات شاملة لتقييم مخاطر نقل البيانات الشخصية خارج السعودية لضمان تطبيق نظام حماية البيانات الشخصية. وتلزم هذه الأطر الجهات بدراسة المخاطر مسبقًا عند نقل أو إتاحة البيانات للخارج، ولا سيما البيانات الحساسة أو تلك المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والقرارات الآلية، مع تحديد موقع التخزين والدولة المستضيفة بدقة، والتحقق من كفاية القوانين والتدابير التقنية خارجيًا، وحماية المصالح الحيوية للسعودية.

وتفرض هذه الضوابط التراجع عن النقل والبحث عن بدائل محلية إذا كانت المخاطر عالية ولا يمكن تداركها، ما يجعل وجود مراكز البيانات داخل السعودية خيارًا آمنًا يضمن بقاء البيانات تحت السيادة الوطنية.

​تتكامل هذه الضوابط مع حياة رقمية متقدمة يعيشها المجتمع في السعودية؛ حيث بلغت نسبة انتشار الإنترنت بين السكان 99% بنهاية عام 2024، مع وصول نسبة الاستخدام عبر الهواتف إلى 99.4%، وسرعات تحميل بلغت 129.2 ميجابت/ثانية للمتنقل و120.4 ميجابت/ثانية للاتصال الثابت.

وتنعكس هذه المنظومة على تفاصيل الحياة اليومية، مثل استضافة وتشغيل منصة "مدرستي" التي تخدم أكثر من 7 ملايين طالب ومعلم عبر سحابة Microsoft Azure ونموذج اللغة العربية الوطني الضخم "علّام" التابع لـ "سدايا" الذي يُبنى ويُدرّب على بنية سحابية متقدمة.

​ويتوج هذا المشهد تسارع شركات التقنية العالمية لإنشاء مناطقها السحابية داخل السعودية؛ فبين المنشآت العاملة، افتتحت Google Cloud منطقتها في الدمام (نوفمبر 2023)، ودشنت Oracle منطقتها الثانية في الرياض (أغسطس 2024) إلى جانب منطقة جدة القائمة. وفي جانب المشاريع المرتقبة لعام 2026، تستعد Microsoft لإتاحة منطقة "شرق السعودية" في نوفمبر بعوائد اقتصادية متوقعة تبلغ 44 مليار دولار، بالتزامن مع خطة AWS لإطلاق أولى مناطقها بحلول ديسمبر باستثمارات تتجاوز 5.3 مليارات دولار وشراكة مع HUMAIN لتمكين قدرات الذكاء الاصطناعي.

​وبهذا التقارب الجغرافي، لم تعد السحابة مجرد خوادم بعيدة وراء البحار، بل أصبحت منشآت وطنية حية على أرض السعودية تمنح المستخدمين استجابة فائقة في أجزاء خاطفة من الثانية، وتمنح بياناتهم أمانًا وسيادة كاملة.