أمضى مهندسون في مؤسسة ويكيميديا أكثر من أسبوعين يحققون في محاولات تلاعب بصفحات ويكيبيديا، وحركة مرور كثيفة ربما تسببت في انقطاع جزئي للخدمة، واضطرت المؤسسة إلى تكليف أفضل فرقها التقنية بالمهمة بدلًا من مواصلة أعمالها المعتادة.
لم تكن الواقعة تهديدًا وجوديًا للبشرية، لكنها كشفت مشكلة أكثر إلحاحًا لشركات الذكاء الاصطناعي، فحين تتجاوز أنظمتها حدود الاختبار وتتصرف من دون إذن، لا يقتصر الأمر على خلل تقني، وإنما يمتد إلى سؤال قانوني مباشر، من يتحمل مسؤولية الضرر، الشركة التي طورت النظام أم الجهة التي شغلته أم النظام نفسه؟ ويرى خبراء قانون وصناع سياسات أن القوانين القائمة تتيح بالفعل محاسبة الشركات، من دون انتظار وضع تشريعات جديدة خصيصًا لهذه التقنية.
أضرار واقعية تتحملها جهات أخرى
قالت ويكيميديا الأسبوع الماضي إنها عثرت على أدلة تشير إلى محاولات من وكلاء تابعين لشركة OpenAI لإجراء تعديلات «قد تكون خبيثة» على بعض صفحات ويكيبيديا، بالتزامن مع إغراق الموقع بحركة مرور كثيفة ربما تسببت في انقطاع جزئي للخدمة، وهو ما دفع المؤسسة غير الربحية إلى فتح تحقيق استهلك وقتًا وجهدًا كبيرين.
وأوضح إريك ميل، مدير منتجات السلامة والأمن في ويكيميديا، أن التحقيق «أوقف العمل داخل أجزاء أساسية من المؤسسة حتى نركز على هذا الأمر»، مضيفًا «وضعنا أفضل أفرادنا في المهمة.. إنها عملية فوضوية إلى حد كبير».
جاء التحقيق وسط تصاعد المخاوف بشأن حوادث خرجت خلالها نماذج للذكاء الاصطناعي من بيئات الاختبار إلى أنظمة حاسوبية أخرى، وشملت هذه الحوادث هجومًا على منصة Hugging Face، إلى جانب إقرارات من شركتي Meta وAnthropic بأن نماذج - خضعت للاختبار لديهما - اخترقت أنظمة أخرى من دون تصريح.
تكشف هذه الوقائع مفارقة واضحة، فبينما يركز قادة الصناعة على احتمالات تهدد البشرية مستقبلًا، تتحمل مؤسسات قائمة بالفعل تكاليف أخطاء الأنظمة، وقد استنزفت واقعة ويكيبيديا أكثر من أسبوعين من عمل كبار المهندسين في مؤسسة تتجاوز قيمتها 200 مليون دولار، من دون أن ينجم عنها تهديد وجودي من النوع الذي تتحدث عنه الشركات.
وترى ويكيميديا أن شركات الذكاء الاصطناعي «لا تفعل ما يكفي لتأمين أنظمتها وحماية الجمهور من الأضرار التي تسببها»، محذرة من أن عبء هذه المخاطر يقع على الآخرين، بمن فيهم المؤسسات الأصغر التي قد لا تمتلك الموارد اللازمة للتعامل معها.
شركات تخشى فاتورة التقاضي
تبدو المخاطر القانونية أكثر إلحاحًا مع استعداد شركة Anthropic لطرح أسهمها للاكتتاب العام الشهر المقبل، إذ حذرت في إفصاح تنظيمي من أن عدم استقرار الإطار القانوني للذكاء الاصطناعي قد يعرضها لدعاوى قضائية «كبيرة وغير متوقعة»، وفق وثيقة اطلعت عليها رويترز.
ولا تتوقف تبعات هذه الدعاوى عند أجور المحامين وتكاليف المحاكم، فقد تتحول إلى عبء مالي ثقيل على شركة أنفقت نحو 42 مليار دولار خلال العام الماضي، بينما بلغت إيراداتها 4.6 مليار دولار، وفق الوثيقة نفسها.
وتطالب شركتا Anthropic وOpenAI بقواعد تنظم صناعة الذكاء الاصطناعي، لكنهما تختلفان بشأن حدود المسؤولية القانونية، فقد أيّد الرئيس التنفيذي لـOpenAI، سام ألتمان، مشروع قانون في ولاية إلينوي يقيد الحالات التي يمكن فيها تحميل مختبرات الذكاء الاصطناعي المسؤولية، حتى عندما تتسبب منتجاتها في «أضرار جسيمة»، في حين عارضته Anthropic.
وفي الوقت نفسه، أقر ألتمان بأن شركته تتحمل مسؤولية عن بعض الأخطاء التي قد تقع خلال تدريب نماذجها، رغم اعتقاده بأن على العالم قبول حدوث بعض الأضرار مقابل الاستفادة من هذه التقنية، أما Anthropic فتقول إن قوانين المسؤولية تمثل خط دفاع إضافيًا إلى جانب قواعد السلامة، مؤكدة أنها لم تطالب بإعفاءات من القوانين القائمة.
هل تحتاج المساءلة إلى قوانين جديدة؟
يرى عدد من السياسيين أن النقاش بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي مستقبلًا يجب ألا يحجب ما تفرضه القوانين الحالية، فقد أكدت لينا خان، الرئيسة السابقة للجنة التجارة الفيدرالية الأميركية، أن «الذكاء الاصطناعي لا يتمتع باستثناء من القوانين الموجودة بالفعل».
وقدم السيناتور الجمهوري جوش هاولي، بالتعاون مع السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، مشروع قانون يهدف إلى تحميل مشغلي وكلاء الذكاء الاصطناعي ومطوريهم مسؤولية حوادث الاختراق، وكتب هاولي أن الشركات لا تحتاج إلى مزيد من السلطة، وإنما إلى «المساءلة التي تأخرت طويلًا»، معتبرًا أن تمكين المتضررين من مقاضاتها إحدى وسائل تحقيق ذلك.
غير أن حسم المسؤولية لن يخلو من أسئلة تتعلق بتصميم هذه الأنظمة وحدود سيطرة الشركات عليها، وهي مسائل يتوقع خبراء قانونيون أن تفصل فيها المحاكم مع تزايد القضايا.
ويضرب فرانك باسكوالي، أستاذ القانون في جامعة كورنيل والمتخصص في قانون الذكاء الاصطناعي، مثالًا بسيارة يصنعها أحدهم وتُثبت على أطرافها سيوف حادة، ثم يقودها شخص نحو أحد المارة، في هذه الحالة، تبدو المشكلة واضحة، إذ ينطوي التصميم نفسه على خطر كان من الممكن تفاديه.
ويرى باسكوالي أن المنطق ذاته ينطبق على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحاول تخمين كلمة مرور عشرات المرات أو تتجاوز القيود المفروضة عليها، فالشركات التي تصمم أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متنوعة تستطيع أيضًا وضع قواعد عامة تمنع بعض الاستخدامات الضارة، ولذلك يصعب عليها التذرع بعجزها عن السيطرة على منتجاتها.
ويختصر هذا الخلاف جوهر المسألة القانونية، فحين يتسبب نظام في ضرر، لا يكفي القول إنه تصرف على نحو غير متوقع، وإنما يجب النظر إلى طريقة تصميمه والقيود التي وضعتها الشركة لمنع إساءة استخدامه، وهي مسؤولية لا تختفي لمجرد أن التقنية أصبحت أكثر تعقيدًا.




