لم يعد السؤال المطروح في سباق الذكاء الاصطناعي يتركز فقط على سرعة وصول الشركات إلى نماذج أكثر قوة، وإنما على الجهة التي تملك حق وضع حدود هذا السباق ومراقبة الالتزام بها. وفي واشنطن، دخل بيل جيتس على خط النقاش داعيًا إلى ألا تترك الشركات تنظيم القطاع لنفسها.

وقال جيتس في مقابلة مع برنامج «Meet the Press» التابع لـNBC News إن «لا أحد يعتقد أن التنظيم الذاتي كافٍ»، مؤكدًا ضرورة أن يسن الكونجرس تشريعات تنظم تطوير الذكاء الاصطناعي. ودعا أجهزة إنفاذ القانون والسياسيين إلى المشاركة في تحديد إجراءات الحماية وآليات المراقبة، على أن تصبح هذه الإجراءات إلزامية للشركات.

تحذير يتجاوز المستقبل

ولا يقتصر تحذير جيتس على احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة بعد سنوات، إذ حذر أيضًا من قدرة هذه التقنيات، عند استخدامها من أشخاص ذوي نيات عدائية، على إحداث أضرار واسعة في الوقت الراهن.

وقال «إن الذكاء الاصطناعي قوي بالتأكيد بما يكفي لدفع أحداث قد تتسبب في مليار حالة وفاة». ورأى أن الجمع بين قدرات الأدوات الجديدة وأشخاص ينوون إحداث الضرر يجعل التكنولوجيا مصدر خطر استثنائي.

وجاء تحذيره مع تصاعد النقاش داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها. ففي وقت سابق من الشهر، دعا الرئيس التنفيذي لـAnthropic داريو أمودي إلى إبطاء وتيرة تطوير الأنظمة المتقدمة، ودفع نحو تعاون حكومي داخل الولايات المتحدة وعلى المستوى الدولي.

وتقول Anthropic إن هذا التوجه يشمل رقابة خارجية أكثر وضوحًا، موضحة أن الإشراف المستقل وعمليات التقييم التي تجريها أطراف ثالثة يمكن أن تمنح الحكومات والجمهور رؤية أفضل لوتيرة تطوير النماذج ومخاطرها.

سباق الشركات يعيد سؤال الرقابة

وتتباين المواقف داخل القطاع بشأن الجهة التي يجب أن تقود عملية الضبط. فقد دعا سام ألتمان إلى معايير دولية لقياس قدرات النماذج، وتقييم المخاطر، وتحديد مدى كفاية وسائل الحماية، والحفاظ على الإشراف البشري. كما طرحت OpenAI تصورًا لمعايير عالمية تربط الحوكمة الوطنية بتعاون دولي أوسع.

في المقابل، أبدى مارك زوكربيرج تحفظًا على فكرة التنسيق الصناعي الشامل، معتبرًا أن على كل مختبر أن يحدد داخليًا الوقت اللازم للتأكد من سلامة خطواته قبل مواصلة التطوير.

وعلى المستوى السياسي، دعا رئيس مجلس النواب مايك جونسون إلى وضع ضوابط للذكاء الاصطناعي، مع رفضه الإسراع في تمرير تشريع اتحادي قبل اتضاح المسار الذي يمكن اتباعه. وتعكس مداخلته الخلاف حول الجهة التي ينبغي أن تتولى صياغة هذه القواعد.

الولايات تتحرك قبل واشنطن

ومع غياب إطار اتحادي شامل، بدأت ولايات أميركية اتخاذ خطوات مستقلة. ففي كاليفورنيا، وسع الحاكم جافين نيوسوم منظومة الرقابة المستقلة على شركات الذكاء الاصطناعي، مع الدفع نحو اختبارات وتدقيقات مستقلة للأنظمة المتقدمة.

وفي ماريلاند، أعلنت الولاية إطارًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي يركز على حماية الحقوق والسلامة وتأثير التقنية في العمال والبنية التحتية. كما تتجه نيويورك إلى إنشاء مكتب متخصص في الحوكمة الرقمية والإشراف على قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وفي ظل هذه التحركات، لم يعد الخلاف يدور فقط حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، وإنما حول الجهة التي تضع قواعد التعامل معها وكيف تراقب الشركات التي تطور أكثر الأنظمة قدرة. ومع دعوة جيتس إلى تشريع اتحادي، ومطالب مختبرات كبرى بتعاون أوسع، وتحركات الولايات منفردة، يبقى السؤال المطروح هو من يضع حدود السرعة حين تصبح وتيرة التطوير نفسها موضع خلاف.