تتبع واشنطن تشكيل مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الاستناد إلى لوائح تنظيمية أو قوانين علنية واضحة، مما يضع كبرى الشركات في مواجهة حالة عارمة من عدم اليقين وضبابية الرؤية المستقبلية.
ودخلت إدارة ترامب إلى السلطة وهي تعِد بإبعاد القيود الحكومية تمامًا عن طريق الشركات التقنية، إلا أن الواقع العملي على الأرض لم يسر على هذا النحو التحرري؛ إذ تشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي حاليًا ولادة ما يوصف بـ "سياسة الظل".
وهذه منظومة خفية من التدخلات المؤقتة والعشوائية التي تتبعها واشنطن لتشكيل مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الاستناد إلى لوائح تنظيمية أو قوانين علنية واضحة، مما يضع كبرى الشركات في مواجهة حالة عارمة من عدم اليقين وضبابية الرؤية المستقبلية.
وجعلت الإدارة الحالية من معارضة التنظيم الهيكلي حجر زاوية في أجندتها الرقمية، حيث سارعت إلى إلغاء الشروط الصارمة التي فُرضت في عهد بايدن، مجادلة بأن القواعد المفرطة تبطئ عجلة الابتكار وتعيق التنافسية.
ومع ذلك، فإن رؤية البيت الأبيض القائمة على عدم التدخل أفسحت المجال لنظام بديل يعتمد على قرارات تنفيذية طارئة وأطر طوعية موجهة لشركات بعينها.
معايير تقنيات الذكاء الاصطناعي
وخلافًا للتنظيم التقليدي، فإن هذا النفوذ يمارس سلطته خارج القنوات التشريعية الرسمية، ليرسم ملامح مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي بآليات تفتقر إلى المعايير المنشورة والتوجيهات المكتوبة.
وفي غياب قواعد وطنية واضحة بسبب الجمود الذي يعيشه الكابيتول هيل قبيل انتخابات التجديد النصفي، تولت الإدارة زمام المبادرة عبر إلغاء قوانين الولايات المحلية، والتركيز على تداعيات الأمن القومي والأمن سيبراني للنماذج الفائقة.
وأصبحت ضوابط التصدير وإرشادات المشتريات الحكومية بمثابة اللبنات الأساسية التي تصيغ مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تباحث الرؤساء التنفيذيون للقطاع مع ترامب في قمة مجموعة السبع (G7) بفرنسا حول فكرة إنشاء منتدى عالمي للمعايير، تزامنًا مع مساعي شركة "أنثروبيك" (Anthropic) لرفع قيود التصدير عن أحدث نماذجها.
وهذا الأمر يثبت أن الشركات باتت مضطرة للتعامل مع الأمزجة والشخصيات السياسية بقدر تعاملها مع النصوص المكتوبة لضمان استمرارية أعمالها.
سيادة الدول التكنولوجية
يمتد نفوذ "سياسة الظل" إلى المعاملات الحكومية؛ حيث تدرس إدارة الخدمات العامة (GSA) قاعدة جديدة تلزم نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) بمعايير صارمة للخصوصية والأمن لحماية البيانات الفيدرالية، وهو ما سيحدد هوية الشركات المؤهلة للفوز بعقود حكومية مليارية.
وتدرك العواصم العالمية أن تحركات واشنطن، وإن لم تكن "تنظيمًا قانونيًا" بالمعنى المفهوم في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، إلا أنها الأكثر تأثيرًا على مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكون أمريكا موطنًا للنماذج الأكثر تقدمًا في العالم.
ولهذا السبب، برزت في قمة مجموعة السبع دعوات حثيثة من القادة الأجانب لتأسيس "سيادة تكنولوجية" محلية تحمي بلدانهم من التبعية المطلقة للشركات الأمريكية.
ومع ذلك، يقر الجميع بصعوبة تجاهل الطفرات الرقمية القادمة من وادي السيليكون، مما يعني أن قرارات ترامب التنفيذية ستظل تملي بصورة فعلية مسار وديناميكيات وحجم الاستثمارات الموجهة لتطوير مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم.














