في عام 2015، تشارك الملياردير إيلون ماسك وصديقه سام ألتمان في تأسيس مختبر أبحاث "OpenAI" كمنظمة غير ربحية، واللذان جمعتهما علاقة صداقة قوية تخطت الطموح التقني.
وكان ألتمان، الذي قاد وقتها حاضنة الأعمال الشهيرة "Y Combinator"، يرى في ماسك الأكبر سنًا بطلًا حقيقيًا يجسد شخصية "توني ستارك" في العالم الواقعي، والوحيد القادر على كسر الركود التقني الذي كانت تعاني منه البلاد.
وسرعان ما انهار التحالف التاريخي على مر السنين، ليتحول إلى واحدة من أكثر المعارك القضائية شراسة في تاريخ قطاع الأعمال الحديث، إذ يتواجه ماسك وألتمان أمام المحاكم في كاليفورنيا لتحديد مصير السيطرة على الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، التقنية الأكثر أهمية في عصرنا الحالي.
مانهاتن للذكاء الاصطناعي نقطة الانطلاقة
في مايو من عام 2015، اقترح ألتمان على ماسك فكرة أشبه بـ "مشروع مانهاتن" -المشروع السري الذي طور القنبلة الذرية- ولكن هذه المرة لتطوير ذكاء اصطناعي عام يتفوق على القدرات البشرية. وكان الهدف الأساسي نبيلًا وإنسانيًا عبر بناء تقني مفتوح المصدر يخدم البشرية وتمنع احتكار شركة "غوغل" لهذا المجال، إذ كان يمتلك عملاق البحث آنذاك تفوقًا هائلًا يهدد بفرض سيطرته المطلقة على مستقبل البشر.
وضخ ماسك الجزء الأكبر من التمويل الأولي للمشروع، وبدت الرؤية مشتركة، لكن التناقض الصارخ في شخصيتهما كان يخفي بذور الخلاف، إذ أنه نشأ في طفولة قاسية غارق في أدق تفاصيل التصميم للمحركات والبطاريات، ويميل بطبعه إلى الصدام والحدة. بينما يميل ألتمان المدلل من قِبل أساتذته وعائلته، والمثقف المهووس بالتقنية والبارع في الدبلوماسية إلى معرفة ما يريد الناس سماعه.
المال.. نقطة تحول غيرت قواعد اللعبة
بدأ الشرخ الحقيقي في العلاقة عام 2017، حين أدرك الباحثون في "OpenAI" أن تطوير ذكاء اصطناعي فائق يتطلب قدرات حوسبة هائلة وأموالًا طائلة تعجز أي منظمة غير ربحية عن جمعها عبر التبرعات. وأظهرت رسائل البريد الإلكتروني الداخلية التي كشفتها وثائق المحكمة أن الفريق الإداري، بما في ذلك ماسك، بدأ يناقش ضرورة التحول إلى نموذج تجاري هادف للربح؛ لجذب الاستثمارات.
في العام التالي له، حاول ماسك الاستحواذ الكامل على الشركة ودمجها مع شركته للسيارات الكهربائية "تسلا" بذريعة أنها الطريقة الوحيدة لمنافسة غوغل، إلا أن ألتمان وبقية المؤسسين رفضوا هذا المقترح؛ ونتيجة لذلك، قرر ماسك مغادرة مجلس إدارة الشركة، وقطع التمويل الذي كان قد وعد به، مما ترك "OpenAI" في أزمة مالية خانقة، اضطرتها لاحقًا للتحول إلى نموذج الربح المحدود وعقد شراكة بمليارات الدولارات مع شركة "مايكروسوفت".
من المنافسة إلى قاعات المحاكم
نجحت "OpenAI" بعد ذلك نجاحًا باهرًا، خاصة بعد إطلاق "ChatGPT" الذي أحدث ثورة عالمية ورفع القيمة السوقية للشركة إلى مستويات فلكية تتجاوز 800 مليار دولار، ما أثار غضب ماسك؛ إذ يرى محاموه أن ألتمان ارتكب خديعة ومؤامرة ذات أبعاد شكسبيرية، متهمًا إياه بخيانة الوعود الأصلية في تحصين التقنية وجعلها متاحة للجميع، مع تحويلها إلى أداة لتعظيم أرباح مايكروسوفت.
على الجانب الآخر، يرفض محامو "OpenAI" وألتمان هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا، مؤكدين أنه لم يكن هناك أي اتفاق مكتوب يقضي ببقاء الشركة غير ربحية إلى الأبد، كما يرى ألتمان أن دوافع ماسك الحقيقية تنبع من "الندم والحسد" لتركه الشركة قبل أن تحقق هذا النجاح الأسطوري، وأن دعواه القضائية ليست إلا محاولة لتعطيل نمو "OpenAI" لصالح شركته المنافسة للذكاء الاصطناعي "xAI" التي أسسها في عام 2023.













