لم تعد مشاعر الإعجاب بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي هي المحرك الوحيد لردود أفعال الجمهور؛ فخلف "هالة الدعاية" الضخمة التي تروج لهذه التقنية كقدر لا مفر منه، بدأت تتشكل موجات من الرفض العنيف والمنظم.
ويرى الكثيرون أن هذه الثورة الرقمية قد تسلبهم وظائفهم، وتساهم في رفع أسعار الطاقة، وتزيد من ثراء الفئات الأكثر ثراء، كل ذلك مع إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة نتيجة الاستهلاك الهائل للموارد الطبيعية والكهرباء، مما خلق فجوة كبيرة بين طموحات الشركات وتوقعات الشعوب حاليًا.
وتتجلى هذه المشاعر السلبية في مواقف اجتماعية متنوعة، حيث قوبلت تصريحات بعض التنفيذيين حول حتمية الذكاء الاصطناعي بصيحات استهجان في محافل عامة، مما يعكس هوة عميقة بين قادة الصناعة والشارع.
قلق من الذكاء الاصطناعي
تشير استطلاعات الرأي المتواترة إلى أن شريحة واسعة من الشباب لا تشعر بالأمل تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل ينتابها القلق من السرعة الفائقة التي تتقدم بها الصناعة، وهي سرعة تفوق قدرة المجتمعات على التكيف أو وضع ضوابط أخلاقية وقانونية تحمي الأفراد.
وهذا الاستياء لا يقتصر على فئة عمرية أو توجه سياسي معين، بل أصبح همًا مشتركًا يجمع بين مختلف الأطياف الذين يرون في التقدم التقني غير المنضبط تهديدًا لنمط حياتهم واستقرارهم المهني تمامًا.
وعلى الرغم من إصرار المسؤولين في مختبرات الذكاء الاصطناعي على أن صعود هذه التقنية أمر حتمي مثل صعود الإنترنت قديمًا، إلا أن الخبراء يطرحون رؤية مغايرة، فالحتمية التقنية لا تعني بالضرورة دمج هذه الأدوات في كل جانب من جوانب الحياة البشرية، أو استبدال البشر بالآلات بشكل كلي.
لذلك، فإن المستقبل ليس ملكًا لشركة أو مجموعة واحدة تقرر مساره، بل هو نتاج خيارات مجتمعية وتشريعية، ويبدو أن قادة التقنية يواجهون صعوبة في استيعاب حجم الرفض الشعبي، حيث يميل بعضهم إلى تجاهل الآراء السلبية أو اعتبارها مجرد خوف من التغيير، مما يزيد من تعقيد أزمة العلاقات العامة التي بدأت تعصف بقطاع الذكاء الاصطناعي.
ووصل مستوى التهديد إلى مرحلة التأثير المباشر على الموارد الحيوية للصناعة، وعلى رأسها "قوة الحوسبة"، فقد شهدت الشهور الماضية إلغاء عدد قياسي من مشاريع مراكز البيانات نتيجة مقاومة المجتمعات المحلية التي تخشى من استنزاف موارد الطاقة والمياه في مناطقها.
وبدأ هذا الرفض الشعبي يستنزف ثقة المستثمرين، ويتحول إلى عائق حقيقي يمنع الشركات من التوسع السريع الذي خططت له. وأصبح الذكاء الاصطناعي يواجه خيارًا مصيريًا: إما الاستمرار في نهج يراه الجمهور "مؤامرة بائسة" تهدد وجودهم، أو التحول إلى بناء أدوات يثق بها البشر وتعمل لخدمتهم، بدلًا من السعي للهيمنة على مقدراتهم وحياتهم بوضوح واستقرار دائمين.














