في ظل التسارع العالمي في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال جوهري حول علاقة التركيبة العمرية للمجتمعات بدرجة التفاؤل تجاه هذه التكنولوجيا، وهو ما تبرزه بيانات عام 2025 من شركتي "إيبسوس" وقسم السكان في الأمم المتحدة، كاشفة عن فروق لافتة بين الدول من حيث الحماس الشعبي للذكاء الاصطناعي.
يعتمد التقرير على سؤال وُجّه إلى المشاركين في 30 دولة، أبرزها: إندونيسيا، وتايلاند، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وسنغافورة، وبيرو، والمكسيك، والهند، وجنوب أفريقيا، وكولومبيا، والبرازيل، وتشيلي، وبولندا، وإيطاليا، واليابان.
أُعدت خريطة الدول الشابة المتحمسة للذكاء الاصطناعي بناءً على جملة "المنتجات والخدمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تجعلني أشعر بالحماس". ومن خلال مقارنة نسب الموافقة عليها مع متوسط أعمار السكان في كل دولة، تتكوّن صورة واضحة نسبيًا عن ارتباط الشباب بارتفاع مستويات تفاؤل دولتهم تجاه الذكاء الاصطناعي، مع وجود استثناءات بارزة تكسر هذا النمط.
الدول الشابة في الصدارة
تتصدر إندونيسيا القائمة عالميًا، حيث عبّر 80% من المشاركين عن شعورهم بالحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، في بلد يبلغ متوسط العمر فيه 30.4 سنة. وتليها تايلاند بنسبة 79% رغم أن متوسط العمر فيها أعلى نسبيًا ليصل إلى 40.6 سنة، ثم ماليزيا بنسبة 77% وهي الدولة صاحبة متوسط عمر 31 سنة. كما تسجل الهند والمكسيك وبيرو وجنوب أفريقيا نسب تفاؤل تفوق 60%، وجميعها دول يقل متوسط أعمار سكانها عن 35 سنة.
تشير هذه النتائج إلى ارتباط قوي بين المجتمعات الشابة وارتفاع مستويات التفاؤل، إذ تظهر البيانات أن الدول ذات القاعدة السكانية المكونة من الشباب تميل إلى النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة واعدة، لا مصدر تهديد.
استثناءات آسيوية لافتة
رغم هذا الارتباط، تكشف البيانات عن حالات تخالف القاعدة؛ تايلاند وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تُسجّلان مستويات مرتفعة من التفاؤل (79% و69% على التوالي)، على الرغم من أن متوسط أعمار سكان تايلاند يتجاوز 40 عامًا، ويصل في كوريا الجنوبية إلى 45.6 سنة. هذا الحماس المرتفع في مجتمعات آخذة في الشيخوخة يبرز كظاهرة لافتة ضمن التحليل العام، ويضع هاتين الدولتين في موقع مميز مقارنةً بدول أخرى ذات أعمار سكانية مماثلة.
في المقابل، تظهر اليابان – صاحبة أعلى متوسط عمر في مجموعة البيانات – مستوى تفاؤل أقل بكثير، إذ لم تتجاوز نسبة المتحمسين للذكاء الاصطناعي 46% فقط، وهي نسبة طبيعية بالنسبة لشعب متوسط عمره أعلى من 49 عامًا.
أمريكا اللاتينية: حماس متفاوت
تُظهر دول أمريكا اللاتينية صورة غير متجانسة، فبينما تسجل المكسيك وبيرو نسب تفاؤل مرتفعة تبلغ 65% و66% على التوالي، حيث تبلغ متوسط الأعمار في المكسيك 29.6 سنة وفي بيرو 30.2 سنة، ثم تأتي كولومبيا بنسبة 60% بمتوسط عمر 23.5 سنة، والبرازيل بنسبة 57% بمتوسط عمر 32.8.
في المقابل، تنخفض النسبة في تشيلي إلى 53% بمتوسط عمر 36.9 سنة، وفي الأرجنتين إلى 43% بمتوسط عمر 23.9، رغم أن الأخيرة تمتلك تركيبة عمرية شابة نسبيًا مقارنة بدول غربية أخرى. هذا التفاوت الإقليمي يعكس أن العامل العمري، رغم أهميته، ليس المحدد الوحيد لمواقف المجتمعات من الذكاء الاصطناعي.
الغرب وحالة الفتور
على الطرف الآخر من الخريطة، تسجّل الدول الغربية أدنى مستويات الحماس. فإيطاليا وبولندا، بمتوسط أعمار مرتفع نسبيًا (48.2 و42.5 سنة)، لا تتجاوز فيهما نسبة التفاؤل 49%. وتُظهر دول مثل كندا وبلجيكا وفرنسا – وإن لم تُدرج أرقامها التفصيلية في الجدول الأساسي – مستويات هي الأدنى ضمن الدول المشمولة، مع نسب تتراوح بين منتصف الثلاثينيات ونهاية الثلاثينيات المئوية.
هذا الفتور العام في الدول الغربية يتماشى مع الاتجاه العام الذي تكشفه البيانات: كلما ارتفع متوسط عمر السكان، انخفضت مستويات الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي.
يقدّم هذا التقرير صورة مركبة للعلاقة بين العمر والتفاؤل التكنولوجي. فبينما تؤكد البيانات وجود ارتباط قوي بين المجتمعات الشابة وارتفاع الحماس للذكاء الاصطناعي، تكشف في الوقت نفسه عن استثناءات إقليمية وثقافية، خصوصًا في بعض الدول الآسيوية. وبذلك، لا يبدو الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تقنية، بل مرآة تعكس اختلافات ديموغرافية وجغرافية واضحة في نظرة الشعوب إلى المستقبل.












