في خطوة غير مسبوقة، اتخذت أستراليا قرارًا حاسمًا في ديسمبر الماضي، بإعادة ضبط علاقة  الأطفال والمراهقين بوسائل التواصل الاجتماعي، و أصبحت أول دولة تحظر استخدام منصات محددة على من هم دون سن السادسة عشرة. وتقول الحكومة الأسترالية إن الهدف من هذه الخطوة هو حماية الشباب من المحتوى الضار والمخاطر الرقمية المتزايدة، في وقت تراقب فيه دول عدة التجربة عن كثب وتدرس سنّ تشريعات مماثلة.

أستراليا تحظر استخدام السوشيال ميديا للأطفال

ويُلزم قانون تعديل السلامة على الإنترنت المنصات المقيّدة بالعمر بضمان عدم تمكّن المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 16 عامًا من إنشاء حسابات، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش العالمي حول حدود الحرية الرقمية ومسؤولية الدول في حماية النشء.

ولا يفرض القانون الأسترالي وسائل تقنية محددة للتحقق من العمر، مثل طلب الهوية أو استخدام القياسات الحيوية، بل يترك للمنصات حرية اختيار الأساليب المناسبة. وفي المقابل، تتحمل هذه المنصات مسؤولية إثبات أن ما تطبقه يُعد «خطوات معقولة» لمنع من هم دون السن القانونية من إنشاء حسابات. ويمنح القانون السلطات حق فرض غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على المخالفين في حال تكرار الانتهاكات أو جسامتها.

وفي خطوة مماثلة، صوّت البرلمان الأوروبي لصالح حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون سن السادسة عشرة، ما لم يقرر أولياء أمورهم خلاف ذلك. وفي حال عدم إقرار الاتحاد الأوروبي لهذا الحظر بشكل نهائي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حكومته ستتجه إلى تطبيق تشريع مماثل على المستوى الوطني في فرنسا، يستهدف من هم دون سن الخامسة عشرة.

مطالبات بريطانية بحظر السوشيال ميديا للأطفال 

ودعت إحدى أكبر نقابات المعلمين في المملكة المتحدة الحكومة إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا، على خلفية مخاوف متزايدة تتعلق بالصحة النفسية وتراجع التركيز لدى الأطفال. وطالب اتحاد المعلمين NASUWT بتشديد القوانين، بحيث تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى عقوبات واضحة في حال السماح للأطفال بالوصول إلى منصاتها.

وتجدّد النقاش حول قضايا السلامة الرقمية هذا الشهر، بعد تقارير أفادت بأن أداة Grok AI التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك استُخدمت في التلاعب بصور نساء وأطفال عبر نزع ملابسهم رقميًا، ما أعاد المخاوف بشأن إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأكدت نقابة المعلمين NASUWT أن المعطيات المتوفرة باتت تُظهر بوضوح أن استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي دون ضوابط صارمة ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية وسلوكهم داخل المدارس. ولفتت النقابة إلى أن تعرّض الأطفال لمحتوى عنيف أو إباحي عبر هذه المنصات يزيد من حجم المخاطر التي يواجهونها في سن مبكرة.

من جانبه، أوضح الأمين العام للنقابة مات وراك، أن المعلمين يواجهون بشكل يومي نتائج بيئة رقمية لم تُصمَّم لتناسب الأطفال، مشيرًا إلى أن شركات التواصل الاجتماعي لا تُبدي التزامًا حقيقيًا بحماية الصغار إلا عندما تُلزمها القوانين بذلك.

وأضاف أن حماية الأطفال وصحتهم النفسية، إلى جانب التصدي لأزمة السلوك داخل المدارس، تتطلب تحركًا عاجلًا، مشددًا على أن فرض حظر قانوني على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا بات ضرورة ملحّة. وكان عدداً من قادة التعليم قد دعوا في وقت سابق إلى حظر الهواتف المحمولة داخل المباني المدرسية، باعتبارها خطوة مكملة للحد من تأثير التكنولوجيا على سلوك الطلاب وتركيزهم.

تأثير السوشيال ميديا على الأطفال

أوضحت هيئة الرقابة التعليمية Ofsted، أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر سلبًا على قدرة الأطفال على التركيز، وتسهم في تفاقم السلوكيات السيئة داخل المدارس.

وفي السياق نفسه، كشفت دراسة أجرتها نقابة المعلمين NASUWT أن الغالبية العظمى من المعلمين لاحظوا ارتفاعًا في حالات السلوك العنيف والمسيء بين التلاميذ خلال العام الماضي. وشملت الدراسة نحو 5800 معلم، أكد 81% منهم أنهم شهدوا هذه الزيادة.

كما أظهر الاستطلاع أن 59% من المعلمين يعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مباشرًا في تدهور سلوك التلاميذ، ما يعزز الدعوات المتزايدة لتشديد القيود على استخدام الأطفال لهذه المنصات.

وفي استطلاع منفصل شمل 300 عضو من النقابة، أبدى تأييدٌ كاسح لفكرة الحظر القانوني، إذ قال 89% من المشاركين إنهم سيدعمون منع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا.

وأوضح الأمين العام للنقابة، أن المعلمين يؤكدون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز العوامل التي تغذي سوء السلوك داخل المدارس، وتزيد من مستويات القلق لدى التلاميذ، وتسهم في تراجع مشاركتهم داخل الفصول الدراسية.

وأكدت نقابة المعلمين NASUWT أن من حق الأطفال النمو والتعلم و بناء علاقات صحية بعيدًا عن عالم رقمي يستغل هشاشتهم وضعفهم. وشددت النقابة على أن الوقت قد حان لكي تتبع الحكومة نهج دول أخرى، من خلال تبني حظر قانوني يحظى بتأييد واسع من أولياء الأمور والمعلمين"

موقف الحكومة البريطانية

وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن السلطات تدعم مديري المدارس في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من الاضطرابات داخل الفصول الدراسية، موضحًا أن الغالبية العظمى من المدارس باتت بالفعل تقيّد استخدام الهواتف المحمولة خلال اليوم الدراسي، بما يضمن عدم تعطيل العملية التعليمية.

وأضاف المتحدث أن قانون السلامة على الإنترنت يُعد من بين «أجرأ التشريعات عالميًا» في هذا المجال، إذ يُلزم شركات التواصل الاجتماعي بتوفير حماية خاصة لمن هم دون سن 18 عامًا من المحتوى الضار. وأكد أن الحكومة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، وضمان قدرتهم على الاستفادة من العالم الرقمي بطريقة آمنة ومناسبة لأعمارهم.

اقرأ أيضًا:

أستراليا تنفّذ حظرًا تاريخيًا للأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي
لماذا نعتقد أن منصات التواصل أسوأ مما هي عليه فعليًا؟
كيف غير الذكاء الاصطناعي ملامح العالم في 2025؟ وماذا ينتظرنا؟