ما بين إنفاق مئات المليارات من الدولارات، وفقدان آلاف الوظائف، وتزايد المخاوف بشأن الصحة النفسية، يبرز رابط واحد يجمع كل هذه التطورات، هو الذكاء الاصطناعي، التقنية الرائجة والمثيرة للجدل، التي ينظر إليها البعض على أنها المستقبل، فيما يراها آخرون كفقاعة محتملة في سوق الأسهم.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي ظل لسنوات طويلة يعمل خلف الكواليس، فإن إطلاق ChatGPT من OpenAI في 2022 دفعه إلى الواجهة، ومنذ ذلك الحين، بدأت روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وGemini من جوجل، تؤثر تدريجيًا على الخدمات الرقمية اليومية والدردشات، لتعيد بذلك تشكيل واجهة الإنترنت.
وفي عام 2025 شهد الذكاء الاصطناعي منحنى آخر من التوسع، إذ بدأ يؤثر على السياسات الوطنية، والعلاقات التجارية العالمية، وسوق الأسهم. كما أثار تساؤلات مهمة حول مدى إمكانية الوثوق بهذه التقنية في وظائفنا، ودراستنا، وعلاقاتنا، ومن المتوقع أن يستمر هذا التأثير في العام الجاري 2026.
ومن هنا، تبرز أسئلة مهمة بشأن الذكاء الاصطناعي والقيود التنظيمية الخاصة به، وفقدان آلاف الوظائف نتيجة استخدامه، والمخاوف المرتبطة بالصحة النفسية.
تقليص القيود على الذكاء الاصطناعي
يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أشد المؤيدين للذكاء الاصطناعي، إذ شكلت هذه الأداة الذكية حجر الزاوية في ولايته الثانية حتى الآن، فعلى سبيل المثال، أصبح الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، الشركة الرائدة التي تعد رمزًا لازدهار الذكاء الاصطناعي، شخصية بارزة في الدائرة المقربة من ترامب، كما استخدم الرئيس الأمريكي معالجات الذكاء الاصطناعي من إنفيديا وإيه إم دي، كورقة ضغط في الحرب التجارية الدائرة مع الصين.
وهذا العام، طرح ترامب خطة عمل للذكاء الاصطناعي تهدف إلى تخفيف القيود التنظيمية وتعزيز استخدامه داخل مؤسسات الحكومة، كما وقع العديد من الأوامر التنفيذية، بما في ذلك أمر أثار الجدل، إذ استهدف منع الولايات من صياغة لوائحها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة رآها كثيرون انتصارًا لوادي السيليكون.
ومن المرجح أن يشهد العام الجديد 2026 معركة قانونية حول هذا الأمر وقدرات الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث يرى بعض النقاد أنه لن يصمد أمام القضاء.
مخاوف تتعلق بالصحة النفسية
وحول ضوابط الذكاء الاصطناعي، تصدر غيابها عناوين الأخبار عام 2025، إذ ذكرت سلسلة من التقارير والدعاوى القضائية أن التطبيقات المساعدة، مثل ChatGPT وCharacter.AI، ساهمت في تفاقم مشاكل الصحة النفسية، من بينها حالات انتحار بين المراهقين، وقالت تقارير إن هذه التطبيقات، ساهمت في انتحار مراهق يدعى آدم راين، ويبلغ من العمر 16 عامًا، عندما كتب أنه يريد ترك حبل مشنقة في غرفته ليجده أحدهم ويمنعه من الانتحار، لكن التطبيق نصحه بالانتحار.
ورفع والدا راين دعوى قضائية ضد شركة OpenAI في أغسطس الماضي، لافتين إلى أن برنامج الدردشة الآلي الشهير نصح المراهق بالانتحار.
من جانبها، أعلنت شركتا OpenAI وCharacter.AI عن أدوات رقابة أبوية وتحديثات أخرى من أجل سلامة المراهقين، بما في ذلك منعهم من إجراء محادثات تفاعلية مع روبوتات الدردشة على تطبيق Character.AI.
لكن الأمر لا يقتصر على المراهقين فقط؛ فأشارت تقارير أخرى إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم في عزلة البالغين عن أحبائهم وانفصالهم عن الواقع.
من جانبها، توقعت الطبيبة النفسية والمحامية مارلين وي أن تصبح روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، الوجهة الأولى التي يلجأ إليها الناس للحصول على الدعم النفسي، مما يبرز المخاوف المتعلقة بالسلامة.
وأضافت أن المستخدمين الشباب يعدون من الفئات الأكثر لجوءًا إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للدعم، يأتي ذلك مع محدودية روبوتات الدردشة وعيوبها التي تتمثل في الهلوسة، التملق، غياب السرية، والافتقار إلى التقييم السريري، وعدم القدرة على اختبار الواقع، إلى جانب المخاوف الأخلاقية ومخاوف الخصوصية، والتي ستواصل التسبب في خلق مخاطر على الصحة النفسية.
ضخ المزيد من الاستثمارات
في الوقت نفسه، يتم ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فأنفقت شركات مثل ميتا ومايكروسوفت وأمازون، من بين غيرها، عشرات المليارات من الدولارات على النفقات الرأسمالية في عام 2025 وحده.
وتتوقع شركة ماكينزي أن تستثمر الشركات ما يقرب من 7 تريليونات دولار في بنية مراكز البيانات على مستوى العالم بحلول عام 2030.
وأثار هذا الارتفاع في الإنفاق مخاوف لدى المستهلكين وول ستريت على حد سواء، وشهد بعض الأمريكيين ارتفاعًا في فواتير الكهرباء وتراجعًا في فرص العمل بسبب الذكاء الاصطناعي، بينما شهدت بعض الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ارتفاعًا قياسيًا في أسهمها.
موجة تسريح جماعي
وفي عام 2025، فقد آلاف العاملين في مجال التكنولوجيا وظائفهم مع موجة تسريح جماعي اجتاحت القطاع. فيما قامت شركات مايكروسوفت وأمازون وميتا، بتقليص كبير في عدد موظفيها، مدفوعة جزئيًا على الأقل بالذكاء الاصطناعي.
ويعتقد البعض أن هذه التورة التقنية ستؤدي إلى المزيد من التسريح، بينما يرى آخرون أنه سيخلق فرصًا جديدة.
لكن هناك أمر واحد مؤكد وهو أن المزيد من التغيير قادم، فأكد دان روث رئيس تحرير منصة "لينكد إن"، أن عام 2025 شهد تغيرًا جذريًا في متطلبات المهارات اللازمة لأداء العمل على أكمل وجه، وأشار إلى أن الوضع سيزداد تسارعًا في العام الجاري 2026.














