مع اقتراب منافسات ربع النهائي في كأس العالم 2026، وتبقي 8 مباريات فقط من هذا العرس الكروي، يأتي تساؤل جوهري حول تقييم هذه البطولة.
لقد تميزت هذه النسخة بكونها الأكبر عددًا عبر التاريخ، إذ شهدت مشاركة 48 دولة لأول مرة، وأقيمت منافساتها في 3 دول مستضيفة هي كندا والمكسيك والولايات المتحدة، لتصبح الأضخم من بين 23 بطولة أقيمت حتى الآن، لكن السؤال الأهم يبقى: هل هي الأفضل على الإطلاق؟
والحكم على أفضلية أي بطولة يختلف من شخص لآخر، لكن عندما نتأمل الإحصائيات نجد أن هذه البطولة تقدم مقارنة إيجابية للغاية وتفرض نفسها كواحدة من أعظم النسخ بفضل الإثارة البالغة التي قدمتها في معظم مواجهاتها الكروية.
طوفان من الأهداف في كأس العالم 2026
وتتحدث الأرقام بوضوح عن النزعة الهجومية الشرسة التي طغت على المباريات، حيث اهتزت الشباك بـ280 هدفًا خلال 96 مباراة من أصل 104 مباريات، مسجلة معدلًا تهديفيًا رائعًا بلغ 2.92 هدفًا في اللقاء الواحد، ويعيدنا هذا المعدل الرفيع إلى أمجاد مونديال المكسيك عام 1970، الذي احتفظ بالمعدل الأعلى بـ2.97 هدفًا في المباراة الواحدة. ولم تخلُ البطولة من المهرجانات التهديفية، وكانت قمتها الفوز الكاسح لألمانيا على كوراساو بنتيجة 7 أهداف لهدف، إلى جانب مواجهات عديدة أخرى شهدت تسجيل 5 أو 6 أهداف.
دراما اللحظات القاتلة في مونديال أمريكا
ولم تقتصر الإثارة على وفرة الأهداف فحسب، بل امتدت إلى كثرة الأهداف المتأخرة التي أضفت صبغة دراماتيكية على اللقاءات، فمن بين 24 مباراة في الأدوار الإقصائية، حُسمت 8 مواجهات بهدف قاتل بعد الدقيقة 85، بينما امتدت مواجهة الأرجنتين ضد الرأس الأخضر المفاجئ إلى الأشواط الإضافية، وذهبت 4 مباريات أخرى إلى الركلات الترجيحية، وفي هذا السياق، كسر هدف النجم الأرجنتيني إنزو فرنانديز الفائز في شباك المنتخب المصري الأرقام القياسية باعتباره الهدف العاشر الذي يسجل في الدقيقة 90 خلال هذه البطولة.
وشهد شهر يوليو الحالي 3 مباريات كلاسيكية استقرت نتيجتها على 3 أهداف مقابل هدفين، حيث قلبت بلجيكا والأرجنتين تأخرهما بهدفين في وقت متأخر إلى انتصارين مثيرين على السنغال ومصر، وهي ظاهرة لم تتكرر في بطولة واحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، أما الموقعة الثالثة فكانت فوز إنجلترا المثيبر على المكسيك، والذي تحقق رغم النقص العددي للمنتخب الأوروبي بعد طرد اللاعب جاريل كوانساه، وصمودهم البطولي في الأجواء الصاخبة لملعب أزتيكا الأسطوري، وحتى التعادلات السلبية الثمانية التي سُجلت كرقم قياسي، يراها البعض دليلًا على التوازن والندية وصعوبة التنبؤ بالفائز.
حضور جماهيري قياسي في كأس العالم
وقبل انطلاق البطولة، سادت مخاوف حقيقية من أن تؤدي أسعار التذاكر الباهظة واضطرار المشجعين لقطع مسافات شاسعة عبر قارة أمريكا الشمالية إلى ملاعب خاوية وأجواء باهتة، لكن أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) امتلاء أكثر من 99% من المقاعد المتاحة، وتجاوز الحضور الجماهيري في دور المجموعات حاجز 4 ملايين مشجع، ليرتفع الإجمالي إلى أكثر من 6 ملايين متفرج بعد أول مرحلتين من الأدوار الإقصائية.
ولم يقتصر التألق على المدرجات، بل امتد إلى صراع الأساطير على أرض الملعب، إذ تشهد البطولة منافسة شرسة وتاريخية على جائزة الحذاء الذهبي بين 4 من أفضل لاعبي كرة القدم في العالم؛ إذ يتصدر ليونيل ميسي السباق بـ8 أهداف، يلاحقه كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند بـ7 أهداف لكل منهما، في حين يمتلك هاري كين 6 أهداف، لتصبح هذه النسخة الأولى في التاريخ التي يسجل فيها 3 لاعبين سبعة أهداف أو أكثر في ذات البطولة.
قصص ملهمة في كأس العالم 2026
وعلى الرغم من القلق من أن تؤدي زيادة عدد الفرق إلى مواجهات ضعيفة وأحادية الجانب، فإن المنتخبات الصغيرة قدمت قصصًا ملهمة وتاريخية، فجزيرة كوراساو الكاريبية، أصغر دولة تتأهل للنهائيات، نفضت غبار خسارتها الثقيلة أمام ألمانيا وانتزعت تعادلًا تاريخيًا من الإكوادور، كما تعادلت قطر مع سويسرا القوية رغم خسارتها الكبيرة أمام كندا.
ولكن القصة الأكثر سحرًا كانت من نصيب منتخب الرأس الأخضر، الذي قاده حارس مرمى أربعيني يمتلك خبرة واسعة، حيث نجح الفريق في إحراج كبار اللعبة بالتعادل مع إسبانيا وأوروغواي والمملكة العربية السعودية والوصول إلى دور الـ32، كما تسبب في رعب حقيقي لمنتخب الأرجنتين حامل اللقب قبل أن يسقط بصعوبة بالغة في الوقت الإضافي.
ورغم كل هذه النجاحات واللقطات المضيئة، لم تخل البطولة من أزمات حادة وانتقادات واسعة، فقد اشتكت الجماهير من التكاليف الباهظة للإقامة والتنقل، كما قوبلت فترات الراحة الإجبارية لشرب الماء بصيحات استهجان، ويرى قطاع واسع أن البطولة باتت طويلة ومرهقة للغاية، ما يثير مخاوف حقيقية حول سلامة اللاعبين الذين تنتظرهم انطلاقة الدوريات المحلية بعد شهر واحد فقط من النهائي.
ولكن الأزمة الأكثر إثارة للجدل والتي مست روح اللعب النظيف تمثلت في الادعاءات بوجود تدخل سياسي مباشر في القرارات الانضباطية، فبعد طرد المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون في دور الـ32 ضد البوسنة والهرسك، تردد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى اتصالًا هاتفيًا برئيس الفيفا جياني إنفانتينو، وبشكل مفاجئ، تمكن بالوغون من المشاركة في مباراة دور الـ16 ضد بلجيكا.
وفي المحصلة النهائية، يمكن للاتحاد الدولي لكرة القدم أن يرى في هذه البطولة نجاحًا تسويقيًا وجماهيريًا هائلًا، امتاز بمباريات مثيرة وملاعب ممتلئة بألوان وثقافات العالم، حتى وإن غادرت الدول الثلاث المستضيفة المنافسات مبكرًا. ومع بقاء أيام معدودة على الختام، يدرك الجميع أن النظرة التاريخية طويلة المدى لأي كأس عالم تتشكل وتتحدد بناءً على ما يحدث في الأمتار الأخيرة والمباراة النهائية تحديدًا.












