صاغ الإسباني بيب غوارديولا هوية مانشستر سيتي، ورسم بعبقريته الفنية ملامح حقبة ذهبية غيرت وجه الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج) إلى الأبد.
بيب غوارديولا يتربع على عرش القارة
هذا الإرث الثقيل، وهوسه الدائم بالتطوير، يضمنان أن يكون خليفته في وضع مثالي للاستمرار في حصد الذهب؛ خاصة أن الموسم الأخير للمدرب الإسباني انتهى برفع ثنائية الكأس المحلية، ليتوج مسيرته الأسطورية مع النادي بـ 20 لقبًا تاريخيًا تربع بها على عرش القارة العجوز.
ومع إسدال الستار على هذه الحقبة، انقسم الشارع الرياضي إلى مدرستين فكريتين حول مستقبل "السيتيزنز"؛ الأولى ترى أن تعويض بيب غوارديولا غير ممكن في الوقت الراهن، والثانية تجزم بأن انهيار المنظومة بعده أمر مستحيل تمامًا.
لكن إدارة النادي السماوي، بقيادة المخطط الرياضي الجديد هوغو فيانا، تؤمن بوجود مسار ثالث يمزج بين دقة الإدارة وتكامل التخطيط الاستراتيجي.
هل ينهار "مطبخ بيب التكتيكي"؟
من الناحية الفنية، يبدو تكرار تجربة بيب غوارديولا ضربًا من الخيال؛ فهو مدرب يظهر مرة واحدة في الجيل، يمتلك الترسانة التكتيكية الأجرأ في تاريخ كرة القدم الحديثة.
لقد حقق كل الألقاب الممكنة مستندًا إلى توليفة بشرية خاصة، ومدعومًا بقوة مالية هائلة قزمت ميزانيات المنافسين.
ومع ذلك، فإن الميزة الكبرى التي تركها بيب هي أن تشكيلاته لم تكن استاتيكية، بل كانت في حالة تدفق وتجدد مستمر، وتتغير أدوار لاعبيها بمرونة فائقة.
قد يرحل العقل المدبر ومبتكر "الكرة التموضعية"، لكن الهيكل الإداري والمؤسسي للنادي لن ينهار؛ بفضل "خزان التفكير" في مانشستر سيتي الذي كان يستعد لهذه اللحظة الحتمية منذ سنوات، وبمباركة وتوجيه من بيب غوارديولا نفسه قبل رحيله.
هروب من عقدة اليونايتد
لقد قدم الغريم التقليدي، مانشستر يونايتد، درسًا قاسيًا في "ما لا يجب فعله" أثناء المراحل الانتقالية؛ إذ سقط في فخ الانهيار الكارثي بعد رحيل السير أليكس فيرغسون عام 2013، وظل ناديًا عالقًا في فخ العاطفة والماضي، غير قادر على الانفصال عن جلباب السير، مما قاده إلى دوامة من القرارات العشوائية قبل أن يستقر نسبيًا مؤخرًا مع مايكل كاريك.
مانشستر سيتي تعلم الدرس جيدًا، ولم يترك مكانًا للعواطف؛ حيث قاد المدير الرياضي هوغو فيانا عملية "إحلال وتجديد" جريئة وشجاعة على مدار ثلاث نوافذ انتقالية.
وسمحت الإدارة برحيل الحرس القديم والركائز الأساسية التي استُهلكت بدنيًا وذهنيًا مثل: كيفين دي بروين، كايل ووكر، إيلكاي غوندوغان، إيدرسون، والآن برناردو سيلفا وجون ستونز.
وضخ النادي دماء شابة وجائعة للبطولات عبر صفقات استباقية وذكية؛ مثل التعاقد مع أنطوان سيمينيو ومارك غويهي في يناير الماضي، واللذين صنعا الفارق مباشرة وقادا الفريق لثنائية الكأس، بالإضافة إلى حسم سباق التعاقد مع الموهبة إليوت أندرسون هذا الصيف، ليصبح الفريق شابًا وحيويًا ومستعدًا للمستقبل.
من يخلف بيب غوارديولا؟
ترتكز رؤية الإدارة الإنجليزية على مطابقة "الحمض النووي" للنادي مع المدرب الجديد، وليس العكس، ومن هنا، يبرز اسم الإيطالي إينزو ماريسكا — تلميذ بيب السابق الذي قاد ليستر سيتي وعمل مساعدًا في موسم الثلاثية التاريخية 2023 — كخيار أول ملائم ثقافياً وفنياً؛ كونه يتنفس فلسفة الاستحواذ والضغط العكسي.
كما تظل أسماء مثل تشابي ألونسو، تشافي هيرنانديز، وفينسنت كومباني ضمن الخيارات الاستراتيجية التي تشربت من "كتاب بيب الكروي" كيفية اللعب بعقلية الأبطال.
أراد غوارديولا أن يكون خروجه نقيًا؛ ورغم أنه سيبقى سفيرًا عالميًا للمجموعة، إلا أنه لن يتدخل في القرارات الفنية أو يلعب دور "الموجه الخفي" عبر الواتساب للمدرب الجديد.
وقال بيب في بيانه المؤثر: "في أعماقي، أعلم أن وقتي قد حان لفك الارتباط العاطفي".
بالتأكيد، لن تكون الطريق مفروشة بالورود؛ فالنادي لا يزال يواجه شبح الـ 115 تهمة القانونية من رابطة البريميرليج، وهي عقبات قد تؤثر على طموحات الفريق قصيرة المدى.
كما أن الفوز بلقب وحيد لدوري أبطال أوروبا خلال عقد كامل يُعد عائدًا متواضعًا لحقبة بيب، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على الجيل الجديد.
لكن بناء الفريق حول نواة مرعبة تضم رودري، دوناروما، روبن دياز، غفارديول، إيرلينغ هالاند، وفيل فودين، يرفع سقف التوقعات لأقصى حد، لأن مانشستر سيتي يعرف جوهره وقيمته، وحان الوقت ليرفع أحد أتباع الفيلسوف المشعل ويثبت أن "المشروع" أقوى من الأفراد.













