لطالما ارتبط التقدم في العمر بفكرة فقدان الذاكرة وتراجع وظائف الدماغ، غير أن دراسة جديدة تقترح تفسيرًا مختلفًا، مفاده أن الدماغ لا يتراجع بالضرورة، وإنما يعيد تنظيم أنظمة الذاكرة بما يلائم احتياجات المرحلة العمرية.
ومن هذا المنظور، قد تأتي صعوبة تذكر مكان السيارة أو موعد محدد ضمن سياق مغاير، إذ لا تعني خسارة بعض التفاصيل اليومية بالضرورة تراجع الكفاءة العقلية، وإنما ربما تعكس انتقالًا نحو الاستفادة من مخزون أكبر من المعرفة والخبرة والعلاقات الاجتماعية.
من التفاصيل إلى الصورة الأكبر
وركز الباحثون في الدراسة التي أعدها فريق من جامعة أريزونا على نظامين أساسيين في الذاكرة، هما الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية. وترتبط الذاكرة العرضية بالحُصين، وتختص بحفظ تفاصيل أحداث محددة مثل الأماكن والمواعيد، بينما ترتبط الذاكرة الدلالية بالقشرة الجبهية، وتخزن المعرفة العامة والقواعد والخلاصات، مثل عواصم الدول أو قواعد لعبة الهوكي.
ومع التقدم في العمر، تصبح الذاكرة الدلالية أكثر حضورًا، وترى النظريات التقليدية أن هذا التحول يمثل آلية تعويضية يحاول الدماغ من خلالها الحفاظ على الأداء رغم التغيرات العصبية، لكن الباحثين يطرحون تفسيرًا مختلفًا، مفاده أن هذا التحول قد يمثل إعادة تنظيم تكيفية لأنظمة الذاكرة ضمن مسار مستمر لتطور الدماغ طوال الحياة.
ويستند هذا الاحتمال إلى أبحاث سابقة رصدت تحولات مشابهة في مراحل عمرية أخرى، ففي الطفولة يحدث تغير في أنظمة الذاكرة أيضًا، لكن في الاتجاه المعاكس، ما يفتح احتمال أن تكون التغيرات المرتبطة بالعمر إعادة توزيع للموارد العصبية، لا فقدانًا تدريجيًا للمرونة.
الشيخوخة وإعادة توزيع الموارد
وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية من حاجة الحُصين إلى قدر كبير من الطاقة، ما يطرح احتمال أن يعيد الدماغ توجيه موارده إلى وظائف أخرى. كذلك أظهرت أبحاث سابقة أن بعض مسارات الاتصال العصبي قد تزداد قوة مع التقدم في العمر، الأمر الذي يدعم تصورًا لا يرى الشيخوخة مسارًا واحدًا من التراجع، وإنما تغيرًا في طريقة توظيف القدرات العصبية.
وتظهر إشارات مشابهة لدى بعض الحيوانات، إذ تميل الفئران الأكبر سنًا إلى الاعتماد أكثر على ما أصبح مألوفًا لديها، بينما تتحول إناث الأفيال الإفريقية في سن متقدمة إلى مستودعات للمعرفة الاجتماعية داخل مجموعاتها.
ومن خلال هذه المقارنات، يرى الباحثون أن إعادة تنظيم أنظمة الذاكرة قد لا تكون ظاهرة بشرية خالصة، وربما ترتبط بالأنواع طويلة العمر والمعقدة اجتماعيًا، حيث تصبح الخبرة المتراكمة موردًا مهمًا. ومن هنا تظهر فرضية تطورية محتملة مفادها أنه مع التقدم في العمر قد تصبح قيمة نقل المعرفة والخبرة أعلى من القدرة على استحضار تفاصيل الحياة اليومية.
الزهايمر والاختبار الحقيقي
ويفتح هذا التفسير احتمالًا لإعادة النظر في طريقة التمييز بين الشيخوخة الطبيعية والتغيرات المرتبطة بالأمراض العصبية. ويطرح الباحثون صلة محتملة بالزهايمر، إذ يرتبط المرض بفرط نشاط الحُصين في مراحله المبكرة، ما قد يعني أن المرض يؤثر في التحول الطبيعي المفترض أن يعيد ترتيب أولويات أنظمة الذاكرة مع العمر.
ومع ذلك، لا تقدم الدراسة دليلًا تجٍريبيًا جديدًا، وإنما تعيد تفسير نتائج سابقة ضمن ما تسميه فرضية «الشيخوخة التكيفية». وتتمثل الخطوة التالية في متابعة أشخاص على مدى زمني طويل، ورصد التغيرات في الدماغ بحثًا عن علامات إعادة تخصيص موارده.
وفي تفسيره لهذه الرؤية، قال عالم النفس فابيان-خوسيه فرنانديز إن النظر إلى الشيخوخة الطبيعية باعتبارها قصة تراجع فقط يعني أننا «نفوّت جوهر المسألة». وأضاف أن الدماغ الأكبر سنًا «مُحسَّن لأشياء مختلفة عن الدماغ الأصغر سنًا، وعلى رأسها مشاركة الخبرة المخزنة والعلاقات الاجتماعية».
وقد تكشف المتابعة المستقبلية ما إذا كان هذا التحول يمثل بالفعل استراتيجية طبيعية للتقدم في العمر، وعندها قد يصبح السؤال الأهم ليس ما الذي فقده الدماغ، وإنما كيف أعاد ترتيب ما يملك.




