سباق فضائي جديد يتجاوز مجرد الوصول إلى سطح القمر، بكين تستهدف هبوطًا مأهولًا بحلول 2030، وواشنطن تسعى لإنشاء قاعدة قمرية، بينما يتحول القطب الجنوبي إلى ساحة المنافسة الأبرز بين القوتين.
لم يعد القمر مجرد محطة لرحلة استكشافية قصيرة، فالصين والولايات المتحدة تتجهان إلى مرحلة جديدة من المنافسة الفضائية، عنوانها هذه المرة تثبيت وجود بشري طويل الأمد خارج الأرض.
وخلال السنوات الخمس الماضية، حققت الصين تقدمًا سريعًا في برنامجها الفضائي؛ فأطلقت محطة تيانغونغ، واستعادت أول عينات تربة من الجانب البعيد للقمر، في إنجاز لم تحققه أي دولة أخرى.
القطب الجنوبي.. نقطة الصراع
ويعتقد العلماء أن المنطقة تحتوي على جليد مائي يمكن تحويله إلى مياه للشرب أو هواء للتنفس، بل وإلى وقود للصواريخ، ما يجعله موردًا أساسيًا لأي وجود بشري طويل الأمد على القمر، وتخطط الولايات المتحدة والصين لإرسال بعثات آلية إلى المنطقة خلال هذا العام، تمهيدًا لوصول البشر إليها.
وتعتمد واشنطن على شركات خاصة لتطوير مركبات الهبوط. ومن بينها مركبة "غريفين" التي طورتها شركة "أستروبوتيك تكنولوجي" في بيتسبرغ، والمقرر إرسالها إلى القطب الجنوبي للقمر في أواخر عام 2026.
في المقابل، تستعد الصين لإطلاق مهمة تشانغ إي-7 الروبوتية في أقرب وقت هذا الشهر، باستخدام أربع مركبات تعمل معًا: مركبة مدارية، ومركبة هبوط، ومركبة جوالة، ومركبة نقل متنقلة، وستبحث المهمة تحديدًا عن الجليد المائي وتحاول حفره وتحليله مباشرة.
الصين تقترب من هدف 2030
لا تتوقف الطموحات الصينية عند المهمات الروبوتية، تسعى بكين إلى أن تصبح ثاني دولة تضع مواطنيها على سطح القمر، وتستهدف تنفيذ أول هبوط صيني مأهول بحلول عام 2030.
وقال تشانغ جينغبو، المتحدث باسم وكالة الفضاء الصينية المأهولة، في مايو: "لن ندخر جهدًا في السعي لتحقيق هدف الوصول إلى أول هبوط صيني على سطح القمر بحلول عام 2030".
وبعد أن سار 12 رائد فضاء من وكالة ناسا على سطح القمر وعادوا بنحو 850 رطلًا، أي 385 كيلوغرامًا، من الصخور والتربة القمرية، لم تطأ قدم أي إنسان سطح القمر منذ انتهاء برنامج أبولو عام 1972.
ولا تزال قيمة الإنفاق الصيني على برنامجها القمري غير معروفة بدقة، لكن سرعة تنفيذ مهام تشانغ إي تدفع عددًا من الخبراء إلى الاعتقاد بأن الصين قد تحقق هدفها لعام 2030، وعلّق مدير وكالة ناسا السابق جيم بريدنستين: "أحد التحديات مع الصين هو انعدام الشفافية".
واشنطن.. سباق مع عقبات كثيرة
تملك الولايات المتحدة خبرة طويلة في استكشاف القمر، لكنها تواجه تحديات كبيرة في العودة إليه، فمهمة أرتميس 2 أرسلت أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر في أبريل، إلا أن ناسا لا تزال تفتقر إلى مركبة قادرة على إنزال رواد الفضاء على سطحه.
كما أن الهبوط قرب القطب الجنوبي أكثر تعقيدًا من عمليات الهبوط التي نفذتها بعثات أبولو بالقرب من خط الاستواء، وتعتمد ناسا على شركتي سبيس إكس وبلو أوريجين لتطوير مركبات الهبوط القمرية، لكن كلا المشروعين يواجه تحديات هندسية، أبرزها الحاجة إلى إعادة تزويد المركبات بالوقود في مدار الأرض قبل التوجه إلى القمر.
ويقول كيسي دراير، رئيس قسم سياسات الفضاء في جمعية الكواكب: "بالتأكيد لم نُموّل وكالة ناسا كما لو كان الأمر سباقًا"، مضيفًا: "لذا لا نريد أن نضع وكالتنا الفضائية في موقف يُصوّرها فجأة على أنها خاسرة، بينما لم نُزوّدها فعليًا بالموارد اللازمة حتى للمنافسة الحقيقية".
القمر.. أكثر من مجرد رحلة
منذ عام 2004، ركزت بكين على برنامجها لاستكشاف القمر، وتعمل على تطوير محطة الأبحاث القمرية الدولية "ILRS"، وهي منشأة علمية واسعة يمكن تشغيلها آليًا، مع إمكانية وجود بشري لاحقًا.
وتبحث الصين أيضًا، بالتعاون مع روسيا، إمكانية استخدام مفاعل نووي لتوفير الطاقة للمحطة، وقال وو ويرن، كبير مصممي برنامج استكشاف القمر الصيني، لرويترز عام 2025: "إن أحد أهم الأسئلة بالنسبة لبرنامج استكشاف القمر الدولي هو إمدادات الطاقة، وفي هذا المجال تتمتع روسيا بميزة طبيعية".
من يضع قواعد للقمر؟
تنص معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 على أن القمر والأجرام السماوية الأخرى لا تخضع للاستيلاء الوطني عن طريق ادعاء السيادة أو الاحتلال، لكن المعاهدة لا تقدم إجابات واضحة بشأن كيفية تنظيم عمليات استخراج الموارد أو إنشاء منشآت قد تحتاج إلى مناطق آمنة حولها.
ويقول كلايتون سوب، نائب مدير مشروع أمن الفضاء الجوي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "إذا لم تستطع الاستيلاء عليه، فكيف تملكه؟"، وتسعى الولايات المتحدة إلى تنظيم هذا الجانب عبر اتفاقيات أرتميس، التي وقعتها 70 دولة، بينما لم تنضم إليها الصين وروسيا وباكستان وبيلاروسيا ومصر.
ورغم المخاوف من تحول المنافسة القمرية إلى صراع جديد بين القوى الكبرى، يرى بعض الخبراء أن مساحة القمر وموارده قد تكون كافية للبلدين للعمل جنبًا إلى جنب.











