نجح باحثون في تطوير أداة جديدة تعتمد على تقنية كريسبر لتعديل الحمض النووي الريبي داخل خلايا سرطان البروستاتا، ما أعاد إظهار الأورام للجهاز المناعي وعزز فاعلية العلاج المناعي في التجارب على الحيوانات.
ويرى العلماء أن هذه الاستراتيجية قد تفتح الباب أمام علاج أكثر فاعلية للأورام التي تُعرف بمقاومتها للاستجابة المناعية.
رغم أن العلاج المناعي أحدث تحولًا كبيرًا في علاج العديد من أنواع السرطان، فإنه لم يحقق النجاح نفسه مع سرطان البروستاتا، إذ تُصنف معظم أورامه ضمن ما يُعرف بـ"الأورام الباردة مناعيًا"، وهي أورام تحتوي على أعداد قليلة جدًا من الخلايا التائية، ما يجعل الجهاز المناعي غير قادر على التعرف إليها أو مهاجمتها بكفاءة.
وفي دراسة نُشرت في مجلة Nature Biomedical Engineering، كشف باحثون من جامعتي روتشستر وديوك الأمريكيتين عن السبب الجزيئي وراء هذه المقاومة، وطوروا أداة تعتمد على تقنية كريسبر (CRISPR)، وهي أداة لتحرير المادة الوراثية تتيح تعديل الحمض النووي أو الحمض النووي الريبي بدقة عالية، لإبطال هذه الآلية دون تعديل الحمض النووي DNA.
بداية الاكتشاف
بدأت القصة قبل نحو 12 عامًا، عندما لاحظ فريق الباحث إريك فاغنر أن جزيئات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) في خلايا أحد أورام الدماغ كانت أقصر من الطبيعي، ومع مرور الوقت اكتشف الفريق الظاهرة نفسها في أنواع متعددة من السرطان، ما دفعهم للاعتقاد بأن الأورام تستغل هذه الآلية لتعديل إنتاج البروتينات والتكيف مع العلاج والهروب من الجهاز المناعي.
ويعمل mRNA بوصفه وسيطًا ينقل التعليمات الوراثية من DNA إلى مصانع البروتين داخل الخلية، ويؤثر طول هذا الجزيء في مدة بقائه داخل الخلية وكميات البروتين التي ينتجها، إذ تكون الجزيئات الأقصر أكثر استقرارًا وتستمر في إنتاج البروتين لفترة أطول.
كيف يختبئ الورم؟
قاد هذا الاكتشاف الباحثين إلى بروتين يسمى SPSB1، وأظهرت الدراسة أن خلايا سرطان البروستاتا تُقصّر جزيء mRNA المسؤول عن إنتاج هذا البروتين، ما يزيد استقراره ويرفع كمية SPSB1 داخل الخلية.
وتكمن خطورة ذلك في أن بروتين SPSB1 يدمر بروتينًا آخر يسمى MHC-I، وهو المسؤول عن عرض المؤشرات الجزيئية على سطح الخلايا حتى تتمكن الخلايا التائية من التعرف إليها باعتبارها خلايا سرطانية.
وعندما ينخفض مستوى MHC-I، يصبح الورم شبه غير مرئي للجهاز المناعي، فلا يجد العلاج المناعي هدفًا واضحًا لمهاجمته، حتى وإن كان قادرًا على تنشيط الخلايا المناعية.
تقنية كريسبر بطريقة مختلفة
وعلى عكس معظم تطبيقات تقنية كريسبر التي تعتمد على قطع الحمض النووي، استخدم الباحثون نسخة من CRISPR-Cas13 ترتبط بجزء محدد من جزيء mRNA دون قطعه.
وتمنع هذه الأداة الخلية من تقصير الجزيء، فيحتفظ بطوله الطبيعي وينخفض إنتاج بروتين SPSB1 ما يسمح بعودة بروتين MHC-I إلى سطح الخلايا السرطانية، وبذلك يستعيد الجهاز المناعي قدرته على رؤية الورم والتعرف إليه من جديد.
نتائج واعدة
في التجارب التي أُجريت على الفئران، أدى العلاج إلى زيادة أعداد الخلايا المناعية داخل الأورام، كما عزز بصورة ملحوظة فاعلية العلاج بمثبطات نقاط التفتيش المناعية مقارنة باستخدام العلاج المناعي وحده.
وأجرى الباحثون أيضًا تحليلات واسعة للبحث عن أي تأثيرات غير مستهدفة للأداة الجينية، ولم يعثروا على آثار جانبية ملحوظة، إلا أنهم يؤكدون أن التقنية ما تزال في المرحلة قبل السريرية، وأن إثبات سلامتها وفاعليتها لدى البشر يتطلب مزيدًا من الدراسات والتجارب.
وقال الباحث المشارك إريك فاغنر إن السرطان يتمتع بقدرة كبيرة على التطور ومقاومة العلاج، لكنه ليس قادرًا على مجاراة هجوم مزدوج يجمع بين العلاج المناعي وعلاج آخر يعيد كشف الورم أمام الجهاز المناعي.
ويرى الفريق البحثي أن هذه الاستراتيجية قد تمتد مستقبلًا إلى أنواع أخرى من الأورام الباردة مناعيًا، التي لا تستجيب للعلاج المناعي بالدرجة المطلوبة، ما قد يمنح الأطباء أداة جديدة لتعزيز فاعلية هذا النوع من العلاجات لدى شريحة أوسع من مرضى السرطان.








