وضع جثمان خامنئي المرشد الأعلى الراحل في قاعة ضخمة بالعاصمة طهران يوم الجمعة، حيث تقاطر رجال الدين والمسؤولون لتقديم واجب العزاء في قائد الثورة الإيرانية الذي لقى حتفه إثر قصف أمريكي وإسرائيلي في فبراير الماضي.
وتنظم إيران مسيرات جنائزية حاشدة تستمر أسبوعًا كاملًا، في استعراض لولاء الجمهور للدولة الثيوقراطية والحماسة الثورية المتجددة.
نقل جثمان خامنئي إلى هذه المدن
ومن المتوقع نقل جثمان خامنئي إلى مدن قم والنجف وكربلاء، وهي المراكز الشيعية الكبرى في إيران والعراق، قبل أن يُوارى الثرى يوم الخميس في مدينة مشهد، المعقل السكني لأقدس مزار ديني في البلاد، وسط تدابير أمنية مشددة واستنفار شامل لجميع قطاعات الدولة لحماية المراسم الجنائزية.
ومع استعداد العاصمة طهران للدفن في التاسع من يوليو الجاري, بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على وفاته، حشدت السلطات ميليشيا "الباسيج" وشنّت عملية أمنية واسعة النطاق قبيل الإقبال الجماهيري التاريخي المتوقع.
وقد أثار هذا التأخير الطويل تساؤلات ومخاوف كبرى حول كيفية الحفاظ على جثمان خامنئي، نظرًا لأن الشريعة الإسلامية تدعو إلى دفن الموتى عاجلًا وترفض التحنيط الكيميائي.
كيف تم الحفاظ على جثمان خامنئي؟
ويرى خبراء مكافحة الإرهاب أن الآلية المستخدمة شبه مؤكدة وهي التخزين المبرد في ثلاجات الموتى وليس التحنيط، حيث يحظر الإسلام التحنيط الكيميائي.
بينما يسمح الفقه الشيعي بتأخير الدفن وحفظ الجسد بالتبريد في الحالات الاستثنائية وفقًا للمعايير القانونية والقضائية المعمول بها.
ويوضح المحللون أن مشارح الطب الشرعي في إيران تحتفظ بالفعل بالجثث لشهور، لذا فإن قضاء أربعة أشهر في حالة تجميد ليس غريبًا من الناحية الإدارية.
لكن عملية "الغضب الملحمي" التي بدأت بضربة أمريكية موجهة وخارقة للتحصينات أسفرت عن مقتل المرشد داخل مجمعه السكني، مما يعزز الفرضية الطبية بأنه قد لا يكون هناك جسد سليم لتقديمه للجمهور.
ولهذا السبب، فإن الاحتفاظ بأشلاء تم التعرف عليها عبر فحص الحمض النووي تفسر سر بقاء جثمان خامنئي طوال هذه المدة في غرف التجميد دون عرضه علنًا في النعش المكشوف، حيث يعجز النظام عن إظهاره بالكامل للعيان نتيجة الدمار الهائل الذي أحدثه القصف الصاروخي.
ويشير نقل موقع الدفن مرارًا وتكرارًا، بوضوح إلى محاولات مضنية للملمة وحفظ ما تبقى من أشلاءه تحت ظروف التبريد القصوى خشية التحلل الحيوي.
وهذا يجعل بقاء جثمان خامنئي لغزًا طبيًا وفقهيًا مثيرًا للجدل في الشارع الإيراني الذي يترقب المشهد بكثير من الغموض والتساؤلات المستمرة حول مآلات الحكم.
وتصور السلطات الإيرانية الجنازة على أنها استعراض للقوة تحت شعار الانتقام، حيث أعلن المنظمون أن المراسم ستُجرى بكامل الجلال والمهابة لمليون شخص في ملحمة وطنية.
لكن التعبئة العسكرية لمليشيات الباسيج والحرس الثوري تهدف في الجوهر إلى السيطرة على الحشود وتأمين العاصمة التي شهدت احتجاجات عنيفة في يناير الماضي، وحرمت عائلات الضحايا من إقامة عزاء لهم.
ويعد هذا الحشد وسيلة لفرض قبضة حديدية وتغطية العزلة الدولية المتزايدة؛ إذ يقتصر الحضور الخارجي على وفود إقليمية منخفضة المستوى من العراق أو جورجيا، في غياب تام لزعماء القوى الكبرى، مما يؤكد أن الحرب تركت المحور الإيراني أصغر حجمًا وأكثر إقليمية.
ويبقى مشهد حفظ وعرض جثمان خامنئي دليلًا على أزمة شرعية عميقة يواجهها النظام الحاكم محليًا ودوليًا وسط تحديات سياسية وعسكرية غير مسبوقة تهدد استقرار البلاد ومستقبلها السياسي بشكل مباشر في المنطقة برمتها.













