كشفت دراسة علمية حديثة عن دور غير متوقع للقنادس في الحد من انبعاثات الكربون، حيث أظهرت النتائج أن السدود والبرك التي تنشئها هذه الحيوانات قادرة على تحويل مجاري المياه إلى مخازن سنوية صافية للكربون، إذ تحتجز كميات من الكربون تفوق ما تطلقه خلال العام الواحد.
ويحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة في سياق الجهود الرامية إلى إعادة توطين القنادس الأوراسية (Castor fiber) في مختلف أنحاء أوروبا، بعد قرون من تعرضها للصيد الجائر الذي أدى إلى تراجع أعدادها بشكل حاد. وتشير الدراسة إلى أنه في حال تكرار هذه النتائج في مناطق أخرى، فقد تسهم القنادس في التخفيف من آثار التغير المناخي عبر امتصاص غازات الدفيئة، دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
القنادس تُعيد تشكيل النظام البيئي
وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة، لوكاس هولبيرج من جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، في تصريح لموقع "لايف ساينس"، أن القنادس لا تمثل حلًا كاملًا لأزمة المناخ، إلا أن نتائج البحث تؤكد قدرتها على الإسهام تدريجيًا في تعزيز تخزين الكربون داخل الأنظمة البيئية النهرية على مدى عقود.
وجاءت هذه النتائج ضمن دراسة نُشرت في 18 مارس في مجلة "الاتصالات الأرضية والبيئة"، حيث أجرى فريق البحث تحليلًا ميدانيًا لمجرى مائي يمتد لنحو 0.8 كيلومتر في شمال سويسرا، وهو موقع شهد نشاطًا للقنادس منذ عام 2010. وقبل إدخال هذه الحيوانات، كان الموقع عبارة عن سهل فيضي تغطيه الأشجار بكثافة، إلا أن القنادس قامت بإزالة جزء من هذه الأشجار لاستخدامها في بناء السدود، ما أفسح المجال لنمو أنواع نباتية أصغر.
واعتمد الباحثون على قياسات دقيقة لتحديد ميزانية الكربون في الموقع، شملت رصد الكربون المنبعث إلى الغلاف الجوي، إضافة إلى الكربون المخزن في الرواسب والكتلة الحيوية والأخشاب الميتة. وتم ذلك من خلال جمع عينات من التربة والغابات المحيطة، إلى جانب عينات من الطحالب المنتشرة على طول المجرى، فضلاً عن قياس تدفقات المياه لتقدير مستوياتها ودرجة ملوحتها وحجم الرواسب المنقولة.
وأظهرت النتائج أن الأراضي الرطبة الناتجة عن نشاط القنادس عملت كمصرف صافٍ للكربون، حيث تراوحت كميات الكربون التي تم احتجازها سنويًا بين 98 و133 طنًا متريًا، وهو ما يعادل استهلاك ما بين 832 و1129 برميلًا من النفط. كما قدّر الباحثون أن توسيع نطاق الأراضي الرطبة في السهول الفيضية المناسبة لإعادة توطين القنادس في سويسرا قد يسهم في تعويض ما يتراوح بين 1.2% و1.8% من إجمالي الانبعاثات الكربونية السنوية في البلاد.
هل يمكن تعميم النتائج؟
رغم هذه النتائج، شدد فريق البحث على ضرورة توخي الحذر في تعميم الاستنتاجات، نظرًا لأن الدراسة استندت إلى موقع واحد فقط، وأن معدلات تخزين الكربون قد تختلف تبعًا لعوامل متعددة، مثل المناخ والخصائص الجيولوجية ونوعية الغطاء النباتي ومدى انتشار القنادس. وأكد هولبيرج أن الاعتماد على العمليات الطبيعية منذ البداية يمثل خيارًا بيئيًا سليمًا، إلى جانب كونه أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن القنادس يمكن أن تقدم حلولًا منخفضة التكلفة لتعزيز استدامة الأنظمة البيئية.
من جانبها، رحبت الباحثة إميلي فيرفاكس، الأستاذة المساعدة في جامعة ميشيغان، بنتائج الدراسة، معتبرة أنها تسهم في تصحيح الاعتقاد السائد بأن استعادة الأراضي الرطبة قد تكون غير فعالة بسبب انبعاثاتها الكربونية. وأوضحت في تصريحاتها أن توصيف برك القنادس كمخازن مستدامة للكربون يمثل تطورًا مهمًا، مضيفة أن هذه النتائج تدعم جهود استعادة الأراضي الرطبة، وتقلل من النظرة السلبية تجاه القنادس، التي غالبًا ما يُنظر إليها ككائنات مزعجة تستدعي السيطرة عليها.
وأكدت فيرفاكس أن الدراسة توضح أن ترك القنادس تمارس دورها الطبيعي قد يكون كافيًا لتحقيق فوائد بيئية كبيرة دون تدخل بشري مكثف. وتأتي هذه النتائج في وقت بدأت فيه أعداد القنادس بالتعافي في أوروبا وأمريكا الشمالية، بعد أن كادت تختفي نتيجة الصيد الجائر، وهو ما أدى سابقًا إلى فقدان مساحات واسعة من الأراضي الرطبة الغنية بالكربون.
وأشار هولبيرج إلى صعوبة تحديد حجم الكربون الذي يمكن عزله على نطاق واسع من خلال إعادة تأهيل موائل القنادس، نظرًا لاختلاف الظروف البيئية من منطقة إلى أخرى، لكنه لفت إلى دراسة سابقة في منتزه روكي ماونتن الوطني بولاية كولورادو، والتي أظهرت أن الأراضي الرطبة التي تنشط فيها القنادس قد تمثل ما يصل إلى 23% من إجمالي مخزون الكربون في تلك البيئة.
بدورها، أكدت فيرفاكس أن التوسع الجاد في إعادة توطين القنادس قد يحقق مكاسب ملموسة في خفض الانبعاثات الكربونية، لدرجة لا يمكن تجاهلها، مشيرة إلى أن التأثير الحقيقي قد يكون أكبر مما تشير إليه التقديرات الحالية.
وأضافت أن النظم البيئية التي تدعمها القنادس يمكن أن تعزز مقاومة المناظر الطبيعية النهرية لحرائق الغابات، ما يحد من إطلاق كميات إضافية من الكربون، مؤكدة أن هناك مقولة شائعة بين الباحثين مفادها: "إذا كانت لديك مشكلة بيئية، فغالبًا هناك قندس يمكنه المساعدة في حلها".
اقرأ أيضًا:
معدل تسخين الأرض يتسارع بشكل غير مسبوق
الطحالب المصنّعة حل جديد لمشكلة تراكم البلاستيك في المياه
تحذير علمي.. الأرض على وشك أن تصبح غير صالحة للسكن














