يُعد الكذب عند الأطفال ظاهرة شائعة تُشكّل تحديًا مستمرًا للآباء والمعلمين على حد سواء. وعلى الرغم من امتلاك الأطفال لإحساس مبكر بالصح والخطأ، فإن ملاحظتهم لانتهاكات الثقة أو خروج بعض أقرانهم عن القواعد المتفق عليها يثير لديهم شعورًا بالاستياء.
ويدرك الأطفال أن بعض الأفعال قد تشوّه الواقع وتضللهم، وقد يحاولون في بعض الحالات دفع الآخرين نحو أفعال لم يكن من الممكن حدوثها لولا هذا التضليل، ما يجعل التجربة شخصية وعاطفية بالنسبة لهم.
وتبدأ ظاهرة الكذب منذ مرحلة مبكرة جدًا، إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال يبدأون بالكذب منذ عمر السنتين. غالبًا ما تكون الأكاذيب في هذه المرحلة بسيطة ويسهل اكتشافها، إذ يُظهر نحو 30% من الأطفال بين عامين وثلاث سنوات سلوك الكذب، وترتفع النسبة إلى حوالي 50% بين الأطفال من أربع إلى ست سنوات. مع تقدم العمر، يزداد انتشار الكذب بشكل ملحوظ، حيث يصل إلى نحو 80% بين الأطفال من سبع إلى اثنتي عشرة سنة، وتصبح الأكاذيب أكثر تعقيدًا في سن المراهقة.
أسباب كذب الأطفال
رغم أن الكذب يُعد سلوكًا خداعًا، إلا أنه يشير إلى تطور معرفي مهم لدى الطفل. فالقدرة على الكذب تتطلب تخيل أفكار الآخرين، وتوقع ردود أفعالهم، والسيطرة على الرغبة في قول الحقيقة. ومثال على ذلك، الطفل الذي ينكر تناول قطعة حلوى بينما تظهر آثارها على وجهه، لا يُظهر فشلًا أخلاقيًا بقدر ما يعكس قدرته على فهم وجهات النظر المختلفة والسيطرة على اندفاعاته.
ويرتبط الكذب ارتباطًا وثيقًا بالنمو المعرفي والوظائف التنفيذية للدماغ. وتشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يظهرون قدرة على الكذب في سن مبكرة غالبًا ما يمتلكون مهارات إدراكية أعلى وقدرة على التفوق الدراسي. ومع بلوغ المرحلة الابتدائية، تصبح الأكاذيب أكثر وعيًا بالأبعاد الاجتماعية، حيث يشمل التخطيط والتقدير لاستجابة الآخرين ومراعاة تبعات أفعالهم.
وتتنوع دوافع الأطفال للكذب بحسب المواقف. فقد يكذب البعض لتجنب أداء واجب دراسي، أو للحصول على وقت للعب أو استخدام الأجهزة الإلكترونية، بينما يلجأ آخرون للكذب لتأجيل مواجهة عواقب خيبة أمل أو تقييمات سلبية من الوالدين. في هذه الحالات، قد يختار الطفل تأجيل الحديث أو تجنبه كاستراتيجية قصيرة المدى لإدارة الموقف.
لذلك، يرى علماء النفس أن الكذب ليس مجرد تعدٍ أخلاقي، بل يعكس تطور القدرات المعرفية والاجتماعية. فهو يساعد الأطفال على تخفيف شعور الانزعاج، الحفاظ على العلاقات، وتجنب النتائج السلبية المباشرة. وهذه نفس الوظائف التي تفسر استمرار الكذب لدى البالغين. وغالبًا ما يكذب الأطفال لحماية أنفسهم، لتجنب العقاب أو الخجل، أو للحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية، أو لتحسين الانطباع أمام الآخرين، أو لاختبار استقلاليتهم وقدرتهم على التحكم بسلوكهم.
تغيّر دوافع الكذب
على مر العصور، يميل الأطفال والبالغون على حد سواء إلى الكذب لأسباب محددة: لتجنب العقوبات، لإرضاء شخص مهم، لتخفيف الإحراج، لحماية العلاقات، أو لإدارة الانطباعات الاجتماعية. ومع أن الكذب يمكن أن يكون مؤشرًا على النضج الإدراكي، إلا أنه ليس سلوكًا يُرغب في تشجيعه، إذ تظل الغاية من الكذبة هي ما يحدد كيفية التعامل معها.
ومع تقدم الأطفال في العمر، تتغير دوافع الكذب وتصبح أكاذيبهم أكثر تعقيدًا. فالطفل يكذب غالبًا بدافع الخوف من العقاب أو لتجنب الإحراج، بينما يستخدم البالغون نفس القدرات الإدراكية بشكل مدروس وواعٍ، وفق المعايير الاجتماعية والاستراتيجيات الشخصية. ويقف المراهقون في منتصف الطريق، إذ غالبًا ما تمثل أكاذيبهم وسيلة لإدارة الحرية الجديدة والتوقعات المتزايدة، بدلاً من مجرد الخداع.
ويعكس إدراك الآباء أن الكذب التطور المعرفي وليس مجرد عصيان، يمكنهم من تحويل استجابتهم من استجواب الطفل إلى حل المشكلات بطريقة موجّهة. ومن الأفضل التركيز على سبب الكذبة، وما الذي كان يحاول الطفل تجنبه أو التعامل معه، وما البدائل التي قد تجعل الكذب غير ضروري. وبهذه الطريقة، يُمكن للوالدين فهم الكذب كجزء طبيعي من نمو الطفل، مع الحفاظ على توقعاتهم للصدق، وملاحظة أن دوافع الكذب تتغير وتعقد مع مرور الوقت، ما يساعد على تربية أطفال صادقين وواعين قادرين على التعامل مع مشاعرهم ومسؤولياتهم بشكل أفضل.
اقرأ أيضًا:
الكذب في التوظيف.. علامات تكشف المبالغات في السيرة الذاتية
بعد واقعة الإعلامية المصرية مها الصغير.. لماذا يلجأ البشر إلى الكذب؟













