لم تعد الأسلحة الفضائية مجرد أفكار خيالية، بل أصبحت أنظمة حقيقية تُعرف بـ«قدرات مكافحة الفضاء»، وتهدف إلى تعطيل أو تدمير الأقمار الصناعية. ووفقًا لتقارير حديثة، تشمل هذه القدرات أسلحة حركية تعتمد على الاصطدام المباشر، مثل الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية أو الأقمار «الانتحارية» التي تُطلق لتصطدم بأهدافها.
وفي المقابل، توجد أسلحة غير حركية تستهدف الأقمار دون تدمير مباشر، مثل الليزر والموجات الكهرومغناطيسية، إضافة إلى أسلحة الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية. وتعتمد هذه الوسائل على التشويش والخداع أو اختراق أنظمة التحكم الأرضية، ما يسمح بتعطيل الأقمار الصناعية أو السيطرة عليها، ويجعل الفضاء ساحة متنامية للصراع التقني غير المعلن.
نستعرض فيما يلي تصنيف الأسلحة الفضائية إلى أربع فئات رئيسية، وفقًا لتقارير حديثة صادرة عن مؤسسة سيكيور وورلد ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والتي توضح طبيعة الأدوات التي يجري استخدامها أو تطويرها في الصراعات الفضائية.
الأسلحة الحركية الفيزيائية
تُعد الأسلحة الحركية الفيزيائية من أبرز فئات الأسلحة المستخدمة في الصراعات الفضائية، إذ تقوم على ضرب الهدف بشكل مباشر أو تفجير رأس حربي بالقرب من قمر صناعي أو محطة أرضية، بما يؤدي إلى تدميره أو تعطيله بشكل كامل. وتهدف هذه الأسلحة إلى إحداث أضرار مادية واضحة، غالبًا ما تكون دائمة ولا يمكن عكسها.
ويعتمد أحد أنواع هذه الأسلحة على ما يُعرف بـالأسلحة المضادة للأقمار الصناعية ذات مسار الصعود المباشر، حيث يُطلق الصاروخ في مسار يتقاطع مع القمر الصناعي المستهدف دون إدخاله في المدار. ويمكن تعديل الصواريخ الباليستية أو صواريخ الدفاع الصاروخي الاعتراضية لتعمل بهذا الشكل، بشرط امتلاكها طاقة كافية للوصول إلى مدار القمر الصناعي. ويختلف هذا النوع عن الأسلحة المدارية المشتركة، التي تُوضع أولًا في المدار على هيئة قمر صناعي، ثم تبقى خاملة لفترات قد تمتد لأيام أو حتى سنوات، قبل أن تتلقى أوامر بالمناورة والاقتراب من الهدف والاصطدام به.
ويتطلب تشغيل هذه الأنظمة بنجاح قدرات تقنية متقدمة، تشمل كشف الأقمار الصناعية المستهدفة وتتبعها وتوجيه الصاروخ أو القمر المهاجم بدقة عالية، وهو ما يستلزم مستوى مرتفعًا من التطور التكنولوجي وموارد كبيرة للاختبار والنشر.
ولا تقتصر الهجمات الحركية الفيزيائية على الأقمار الصناعية فقط، إذ تُعد المحطات الأرضية عرضة لهذا النوع من الهجمات باستخدام أسلحة عسكرية تقليدية، مثل الصواريخ الموجهة أو القذائف بعيدة المدى، بل وحتى نيران الأسلحة الصغيرة في بعض الحالات. وبسبب وضوح مواقعها وسهولة الوصول إليها مقارنة بالأجسام المدارية، قد تكون المحطات الأرضية هدفًا أسهل للخصوم، كما يمكن تعطيلها بشكل غير مباشر عبر استهداف شبكات الكهرباء والمياه وخطوط الاتصالات التي تعتمد عليها.
الأسلحة غير الحركية
تُعد الأسلحة الفيزيائية غير الحركية أحد أخطر أشكال التهديدات الفضائية الحديثة، إذ تُلحق أضرارًا مادية بالأقمار الصناعية والمحطات الأرضية من دون الحاجة إلى اصطدام مباشر. وغالبًا ما توصف آثار هذه الأسلحة بأنها قابلة للعكس في بعض الحالات، ما يجعلها أدوات مفضلة في الصراعات غير المعلنة، خاصة أن هجماتها قد تكون أقل وضوحًا وأكثر صعوبة في تتبع مصدرها.
وتشمل هذه الفئة الليزر عالي الطاقة، الذي يُستخدم لإبهار أو تعطيل مستشعرات الأقمار الصناعية مؤقتًا، أو إتلافها بشكل دائم في بعض الحالات. كما يمكن توجيه الليزر لإلحاق ضرر بمكونات حساسة مثل الألواح الشمسية. ويتطلب استهداف قمر صناعي من الأرض تقنيات متقدمة، تشمل شعاعًا عالي الجودة، وبصريات تكيفية، وأنظمة تحكم دقيقة لتوجيه الليزر عبر الغلاف الجوي، وهي تقنيات مكلفة وتعكس مستوى عاليًا من التطور التكنولوجي. ورغم إمكانية تحديد الموقع الجغرافي التقريبي للهجوم إذا كان القمر ضمن مجال رؤية المستشعر، فإن المهاجم غالبًا لا يستطيع التأكد من نجاح الهجوم لغياب مؤشرات مرئية واضحة.
كما تضم هذه الفئة أسلحة الطاقة عالية القدرة (HPM)، التي تُطلق نبضات كهرومغناطيسية قادرة على تعطيل إلكترونيات الأقمار الصناعية، وإفساد البيانات المخزنة، أو إعادة تشغيل المعالجات، وقد تصل في مستويات أعلى من الطاقة إلى إحداث أضرار دائمة في الدوائر الكهربائية. ويمكن تنفيذ هذه الهجمات عبر ما يُعرف بـ«الباب الأمامي» باستخدام هوائيات القمر الصناعي كنقطة دخول، أو «الباب الخلفي» عبر الثغرات الصغيرة في الوصلات الكهربائية والدروع. وبسبب تشتت الموجات الكهرومغناطيسية وضعفها مع المسافة، يُفضَّل تنفيذ هذه الهجمات من أقمار صناعية في مدارات قريبة، مع بقاء مسألة تحديد الجهة المنفذة أمرًا بالغ الصعوبة.
أما النبض الكهرومغناطيسي النووي (EMP)، فيُعد أكثر أشكال الهجوم غير الحركي خطورة وعشوائية، إذ ينتج عن تفجير نووي في الفضاء. وبينما يُحدث هذا التفجير آثارًا فورية تشل الأقمار الصناعية غير المحمية ضمن نطاق واسع، فإنه يخلق أيضًا بيئة إشعاعية مرتفعة تُسرّع من تدهور مكونات الأقمار الصناعية على المدى الطويل، ما يجعل تأثيره ممتدًا وخطيرًا على استدامة الأنشطة الفضائية.
الأسلحة الإلكترونية
تُعد الأسلحة الإلكترونية من أكثر أدوات الصراع الفضائي استخدامًا في الوقت الحالي، لأنها لا تستهدف القمر الصناعي نفسه، بل المعلومات والإشارات التي يعتمد عليها في العمل. ويُفضّل هذا النوع من الهجمات لسهولة إنكاره وصعوبة تتبع مصدره، فضلًا عن أن آثاره تكون في الغالب مؤقتة.
ويأتي التشويش في مقدمة هذه الأسلحة، إذ يعتمد على إرسال إشارات ضوضاء في نفس نطاق التردد المستخدم، ما يمنع القمر الصناعي أو أجهزة الاستقبال على الأرض من إرسال البيانات أو استقبالها. ويمكن أن يستهدف التشويش الإشارة الصاعدة من الأرض إلى القمر الصناعي، مثل أوامر التحكم، أو الإشارة الهابطة من القمر إلى المستخدمين. وتُعد أجهزة الملاحة مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والهواتف الفضائية أكثر عرضة لهذا النوع من الهجمات بسبب اعتمادها على هوائيات واسعة المجال. وتتميز هجمات التشويش بانخفاض تكلفتها وتوافر تقنياتها تجاريًا، كما أنها قابلة للعكس، إذ تعود الاتصالات إلى طبيعتها فور إيقاف جهاز التشويش
أما الخداع أو التزييف، فيقوم على إرسال إشارات وهمية تجعل القمر الصناعي أو جهاز الاستقبال يعتقد أنه يتلقى إشارات صحيحة، بينما تكون في الواقع مزيفة. ويمكن استخدام هذه الطريقة لتضليل أنظمة الملاحة، أو إدخال بيانات خاطئة إلى شبكات الاتصالات، بل وحتى السيطرة على القمر الصناعي إذا نجح المهاجم في تزييف إشارات التحكم الصاعدة. وتشير تقارير تقنية إلى أن بعض أساليب الخداع قادرة على التأثير حتى في إشارات GPS العسكرية المشفرة، من دون الحاجة إلى فك تشفيرها، عبر إعادة بث نسخة مؤخرة زمنيًا من الإشارة الأصلية. ومثل التشويش، يُعد الخداع سلاحًا منخفض التكلفة نسبيًا، ويمكن نشره بسهولة من قبل جهات حكومية وغير حكومية.
الهجمات السيبرانية
تستهدف الهجمات السيبرانية في الصراعات الفضائية البرمجيات وأنظمة التحكم الأرضية التي تدير عمل الأقمار الصناعية، بدلًا من استهداف الإشارات أو البنية المادية مباشرة. وتعتمد هذه الهجمات على اختراق محطات التحكم الأرضية أو الشبكات المرتبطة بها، بهدف سرقة البيانات الحساسة، أو السيطرة على القمر الصناعي عن بُعد وتغيير مساره، بما قد يؤدي إلى احتراقه في الغلاف الجوي أو اصطدامه بجسم فضائي آخر.
وعلى عكس الهجمات الإلكترونية التي تركز على التشويش أو تزييف إشارات الترددات اللاسلكية، تستهدف الهجمات السيبرانية البيانات نفسها والأنظمة التي تعالجها. وتشمل نقاط الضعف المحتملة الهوائيات الموجودة على الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية، وخطوط الاتصال الأرضية التي تربط هذه المحطات بالشبكات التقليدية، إضافة إلى أنظمة المستخدمين النهائية.
وتُعد هذه الهجمات جذابة للخصوم لأنها غالبًا قابلة للعكس وصعبة التتبع، ولا تحظى بقدر كبير من الانتباه العام، ما يجعلها وسيلة مناسبة لإرسال رسائل ردع أو خلق حالة من الغموض دون الوصول إلى مستوى التصعيد العسكري المباشر.
غير أن هذا النوع من الأسلحة قد يكون أقل فاعلية في بعض الحالات، إذ إن صعوبة تقييم حجم الضرر الناتج عن الهجوم تعيق قدرة الخصم على التأكد من نجاح عملياته. كما أن أي هجوم يؤدي إلى أضرار جانبية واسعة في الفضاء، مثل توليد حطام فضائي، قد يرفع مخاطر التصعيد ويستدعي ردود فعل دولية معاكسة.
اقرأ أيضًا :
6 مدن مفقودة لم يعثر عليها علماء الآثار قط
العلوم الزائفة تنمو بوتيرة أسرع من الأبحاث العلمية الموثوقة
لماذا لا يتحكم الإنسان في أصابع قدميه مثل يديه؟












