العلوم الزائفة تنمو بوتيرة أسرع من الأبحاث العلمية الموثوقة

يناير ٢, ٢٠٢٦

شارك المقال

العلوم الزائفة تنمو بوتيرة أسرع من الأبحاث العلمية الموثوقة

شهدت السنوات الأخيرة، انتشار ظاهرة خطيرة تهدد نزاهة البحث العلمي، وهي ما يُعرف بـ “مصانع الأبحاث”، حيث تقوم هذه الجهات بإنتاج وبيع أبحاث علمية وهمية أو مزيفة للباحثين مقابل المال. وأظهرت دراسة حديثة، أن هذه الأبحاث المزيفة تنتشر بوتيرة أسرع من معدل نمو المنشورات العلمية الموثوقة، ما يستدعي تحركًا عاجلًا من المجتمع العلمي.

شبكات دولية وراء الأبحاث المزيفة

أجرى باحثون من جامعة نورث وسترن الأمريكية، دراسة معمقة للتحقق من سوء السلوك العلمي، من خلال الجمع بين تحليلات واسعة النطاق للأبحاث المنشورة، ودراسات حالة مفصلة. وبينما تركز النقاشات حول الاحتيال البحثي غالبًا على المخالفات الفردية، كشف الباحثون عن شبكات دولية معقدة، تتألف من أفراد ومنظمات، تنسق جهودها عمدًا للإخلال بنزاهة نظام النشر الأكاديمي، بدءًا من الأبحاث العلمية المزيفة، وصولًا إلى بيع وشراء حقوق التأليف والاستشهادات العلمية.

تعزيز الرقابة

قال لويس أمارال، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن العلم بحاجة إلى تعزيز آليات الرقابة الذاتية للحفاظ على نزاهته. وأكد أن تجاهل هذه المشكلة، أو عدم توعية المجتمع بها، سيؤدي إلى تفاقم الوضع، بحيث يصبح السلوك غير الأخلاقي أمرًا معتادًا، ومع مرور الوقت قد يصل الأمر إلى مرحلة يصعب تداركها. وأضاف أن البعض يرى في إثارة هذه القضية هجومًا على العلم، إلا أن الهدف الحقيقي هو حماية العلم والدفاع عنه في مواجهة من يسيئون استغلاله، داعيًا إلى الاعتراف بخطورة الظاهرة واتخاذ إجراءات حاسمة للحد منها.

تحليل معمق للبيانات

لإجراء هذه الدراسة، حلل الباحثون، مجموعة بيانات واسعة شملت الأبحاث المسحوبة من النشر، والسجلات التحريرية، وحالات تكرار الصور. وجاء معظم هذه البيانات من منصات كبرى لتجميع الأدبيات العلمية. كما جمع الباحثون قوائم بالمجلات المحذوفة من الفهرس، وهي المجلات العلمية التي أُزيلت من قواعد البيانات لعدم استيفائها معايير محددة للجودة أو الأخلاقيات. إضافة إلى بيانات عن المقالات المسحوبة وبيانات وصفية مثل أسماء المحررين، وتواريخ التقديم، وتواريخ القبول.

بعد تحليل هذه البيانات، كشف الفريق عن جهود منسقة تشمل "مصانع الأبحاث"، والوسطاء، والمجلات المخترقة. تعمل هذه المصانع، التي تشبه المصانع التقليدية، على إنتاج أعداد كبيرة من الأبحاث، ثم بيعها للأكاديميين الراغبين في نشر أعمالهم الجديدة بسرعة. وغالبًا ما تكون هذه الأبحاث ذات جودة رديئة، إذ تتضمن بيانات مزيفة، وصور معدلة أو حتى مسروقة، ومحتوى منسوخ، وأحيانًا ادعاءات غير منطقية أو مستحيلة.

ووفقًا للباحثين، فإن عدد العلماء الذين يقعون ضحية لنشر الأبحاث المزيفة في تزايد مستمر. فهؤلاء لا يقتصر دورهم على شراء الأبحاث فقط، بل يشترون الاستشهادات أيضًا، ما يجعلهم يظهرون بمظهر العلماء المرموقين رغم أنهم لم ينجزوا أبحاثا تذكر.

استراتيجيات الشبكات الاحتيالية

ولتحديد المزيد من المقالات الصادرة عن هذه العمليات الوهمية، أطلق فريق أمارال مشروعًا موازيًا يقوم بمسح تلقائي للأبحاث المنشورة في علوم وهندسة المواد، وأظهرت النتائج أن الشبكات الاحتيالية تستخدم عدة استراتيجيات رئيسية، حيث تتواطأ مجموعات من الباحثين لنشر أوراق بحثية في عدة مجلات، وعند اكتشاف أنشطتهم تسحب هذه الأوراق لاحقًا، كما يعمل الوسطاء كحلقة وصل لتمكين النشر الجماعي للأبحاث المزيفة في المجلات المخترقة، وتتركز الأنشطة الاحتيالية في مجالات فرعية محددة تكون أكثر عرضة للاختراق، كما تتحايل الكيانات المنظمة على إجراءات مراقبة الجودة، مثل إلغاء فهرسة المجلات.

أحيانًا تتجاوز هذه المنظمات المجلات العلمية الراسخة تمامًا، وتبحث بدلًا من ذلك عن مجلات متوقفة عن النشر. فعندما تتوقف مجلة علمية موثوقة عن النشر، تبدأ هذه المنظمات في الاستيلاء على اسمها أو موقعها الإلكتروني، مع انتحال هوية المجلة سرًا، مما يضفي مصداقية على المنشورات الاحتيالية، على الرغم من توقف المجلة عن النشر فعليًا، وهو ما حدث لمجلة HIV Nursing والتي كانت في السابق مجلة تابعة لمنظمة تمريض مهنية في المملكة المتحدة، ثم توقفت عن النشر، واشترت إحدى المنظمات اسمها وبدأت بنشر آلاف الأبحاث المزيفة في مواضيع لا علاقة لها بالتمريض.

الدفاع عن نزاهة العلم

لمواجهة هذا التهديد المتزايد لنزاهة نظام النشر الأكاديمي، يؤكد الباحثون على ضرورة اتباع نهج متعدد الجوانب، يشمل التدقيق في عمليات التحرير، وتحسين أساليب كشف الأبحاث المزيفة، وفهم أعمق للشبكات التي تسهل هذا السلوك، وإعادة هيكلة جذرية لنظام الحوافز في مجال العلوم، كما يشددوا على أهمية معالجة هذه القضايا قبل أن يتغلغل الذكاء الاصطناعي في الأدبيات العلمية أكثر مما هو عليه الآن.

الأكثر مشاهدة

أحصل على أهم الأخبار مباشرةً في بريدك


logo alelm

© العلم. جميع الحقوق محفوظة

Powered by Trend'Tech