منذ أن نغفو، يدخل الدماغ في عالمه الخاص، حيث تتداخل الذكريات والمشاعر والخيال في تجربة فريدة يعرفها الجميع باسم الأحلام. لكن هل تساءلت يومًا عن مدى اختلاف الأحلام بين مرحلة الطفولة والمراهقة، ثم البلوغ وكبر السن؟ وهل تتأثر طبيعتها بالعمر أو بتغير الدماغ وطبيعة حياتنا اليومية؟.
يشير الخبراء إلى أن التغير في الأحلام عبر مراحل الحياة أمر معقد ومرتبط بعدة عوامل بيولوجية ونفسية. ويوضح الدكتور جوليو برناردي، رئيس مجموعة أبحاث النوم والتجربة الواعية في كلية IMT للدراسات المتقدمة في لوكا بإيطاليا، لموقع "لايف ساينس" أن الأحلام "تعتمد على أنظمة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة، العاطفة، والخيال، وكل هذه الأنظمة تتطور وتُعاد تنظيمها مع التقدم في العمر". لكن المفاجئ بالنسبة للباحثين أن الدراسات العلمية التي تناولت تطور الأحلام بشكل منهجي عبر مراحل العمر قليلة جدًا.
وتشير الدراسات الحالية إلى أن الشباب يميلون إلى أحلام حية وواضحة ومليئة بالتفاصيل البصرية، بينما يكشف كبار السن عن أحلام أكثر تعقيدًا وأقل تركيزًا على العاطفة المباشرة. وهذا التغير قد يرتبط ليس فقط بنمو الدماغ، بل أيضًا بنمط النوم والنضج المعرفي والعاطفي. "هذه العوامل تحدد ليس فقط مدى وضوح الأحلام أثناء النوم، بل أيضًا احتمال تذكرها بعد الاستيقاظ"، يقول برناردي.
الأحلام في مراحل الحياة المختلفة
أجرى الباحث ديفيد فولكس دراسات على أحلام الأطفال بين السبعينيات والتسعينيات، ووجد أن أحلام الصغار عادةً ما تكون بسيطة وواضحة، تتضمن حيوانات وأشياء ثابتة وتفاعلات مباشرة. لكن دراسة أحلام الأطفال معقدة، لأنها تعتمد على قدرة الطفل على فهم ما يراه أثناء النوم والتعبير عنه للآخرين. وخلال فترة المراهقة، تتزايد كثافة الأحلام ووضوحها، بما يعكس التغيرات العاطفية والاجتماعية التي يمر بها المراهقون. وقد تتضمن هذه الأحلام مشاهد السقوط أو المطاردة أو مواجهة المواقف المخيفة، بالإضافة إلى ضغوط المدرسة وبداية التجارب العاطفية.
أما في مرحلة البلوغ، تميل الأحلام إلى أن تكون أكثر انتظامًا وربما أقل حدة عاطفيًا، لكنها غالبًا ما تعكس تفاصيل الحياة اليومية أحداثًا مثل تكرار المحاولات لإنجاز المهام، أو القلق من الوصول متأخرًا إلى مكان ما. ولا تختفي الكوابيس تمامًا، لكنها تصبح أقل عنفًا وأكثر تعقيدًا من الناحية المعرفية، بحيث تعكس واقعنا أكثر من الخيال البحت.
ومع التقدم في العمر، يقل تكرار تذكر الأحلام لدى الكثيرين، ويظهر ما يُعرف بـ "الأحلام البيضاء"، حيث يشعر الشخص أنه حلم بشيء ما لكنه لا يستطيع تذكر تفاصيله. ويرتبط جزء من هذا التغير بتراجع جودة النوم، وجزء آخر يتعلق بالقدرة على استرجاع الحلم بعد الاستيقاظ. ويوضح الدكتور مايكل شريدل، رئيس مختبر النوم في المعهد المركزي للصحة العقلية في ألمانيا: "ما نسميه حلمًا هو مجرد استرجاع لتجربة ذاتية حدثت أثناء النوم، وما نتمكن من تذكره بعد الاستيقاظ يعتمد على جودة تلك العملية".
وفي المراحل الأخيرة من الحياة، خصوصًا عند مرضى دور الرعاية أو من يقتربون من الموت، يلاحظ الباحثون نمطًا فريدًا من الأحلام. إذ يرى كثيرون لقاء أحبائهم الراحلين، أو الاستعداد لرحلة قادمة، مثل حزم الأمتعة والسفر. وتُظهر الدراسات أن هذه الأحلام غالبًا ما تمنح شعورًا بالراحة والطمأنينة، وكأن الدماغ يحاكي حالة تأملية تساعد الشخص على التكيف مع المرحلة النهائية من الحياة.
اقرأ أيضًا:
هل يمكنك أن تحلم أثناء مرحلة النوم غير السريع؟
هل يسرق الجبن نومك؟ دراسة تكشف العلاقة الخفية بين الألبان والكوابيس
اضطراب الكابوس.. أسبابه وأعراضه وعلاجه














