في السودان، لا يبدأ جوع الطفل عند باب العيادة؛ بل قبل ذلك بكثير، حين تتراجع الوجبات، وتضعف المناعة، وتفقد الأسرة قدرتها على توفير الغذاء. وبينما تتركز جهود الاستجابة الإنسانية على علاج الأطفال الذين وصلوا بالفعل إلى مراحل متقدمة من سوء التغذية، تبرز مشكلة أعمق: كيف يمكن إنقاذ الأطفال من الجوع، إذا ظلت الأسباب التي تدفعهم إليه قائمة؟ تكشف نشرة قطاع التغذية في السودان، الصادرة في 2 نوفمبر 2026، وتغطي الفترة من يناير إلى سبتمبر، عن فجوة بين علاج الحالات القائمة والوقاية المبكرة التي تحول دون تفاقمها.

الصراع والنزوح يفاقمان أزمة الغذاء

لم تعد أزمة التغذية في السودان مجرد نقص في الطعام، بل أصبحت نتيجة متشابكة للصراع والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية. فحين تفقد الأسر مصادر دخلها، وتتضرر الأسواق وطرق الإمداد، ترتفع صعوبة الحصول على الغذاء، حتى بالنسبة إلى من لا يعيشون في مناطق المواجهات المباشرة. وتوضح شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET أن استمرار النزاع والنزوح يدفعان إلى تفاقم الجوع وسوء التغذية الحاد، مع توقع احتياج ما يصل إلى 22.99 مليون شخص إلى مساعدات غذائية إنسانية خلال الفترة التي يغطيها تقريرها.

دارفور تسجل ارتفاعًا حادًا في حالات سوء التغذية

تكشف بيانات UNICEF حجم التدهور الذي وصل إليه الأطفال في دارفور؛ إذ ارتفع عدد الأطفال الذين يتلقون العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم بنسبة 46% في ولايات دارفور الخمس، خلال الفترة من يناير إلى مايو 2025، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي شمال دارفور وحدها، تجاوز عدد الأطفال المقبولين للعلاج 40 ألف طفل خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، أي ضعف العدد المسجل في الفترة المقابلة. ولم تكن هذه الزيادة مجرد ارتفاع في أعداد الحالات، بل مؤشرًا على اتساع دائرة الخطر التي تحاصر الأطفال وأسرهم.

ولا تقف خطورة الأزمة عند نقص الغذاء وحده؛ فالأمراض وتدهور الخدمات الصحية يضاعفان آثار الجوع على أجساد الأطفال. وتشير UNICEF إلى أن الكوليرا والحصبة وانهيار الخدمات الصحية تزيد من تعرض الأطفال لمضاعفات تهدد حياتهم، خصوصًا المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم، الذين يحتاجون إلى تدخل علاجي فوري ومكثف. وهنا تتضح الحلقة التي تجعل الأزمة أكثر تعقيدًا: فالطفل الذي يعاني نقص الغذاء يصبح أكثر عرضة للمرض، والمرض بدوره يزيد هشاشة جسمه ويعمّق سوء التغذية.

تعطل الإمدادات يوسع دائرة الخطر

تتسع دائرة الخطر مع استمرار النزوح وتعطل طرق التجارة والإمداد، إذ لا تستطيع المساعدات الوصول بسهولة إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا. ووفقًا لـFEWS NET، فإن الصراع وارتفاع مستويات النزوح يواصلان دفع الجوع الحاد وسوء التغذية والوفيات، فيما تتوقع الشبكة اتساع نطاق الحالات الطارئة خلال موسم الشح الغذائي، مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المخزونات. كما أن انقطاع الطرق الإنسانية والتجارية لا يحرم الأسر من الغذاء فحسب، بل يعرقل وصول الإمدادات العلاجية إلى الأطفال الذين يحتاجون إليها.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح علاج سوء التغذية ضرورة لا يمكن تأجيلها، لكنه لا يمثل حلًا كافيًا بمفرده. فاستمرار استقبال الأطفال في العيادات وعلاج الحالات الحرجة لن يوقف تدفق حالات جديدة، ما لم تتزامن الاستجابة العلاجية مع تدخلات وقائية تضمن وصول الغذاء إلى الأسر، وتحافظ على الخدمات الصحية، وتتيح وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. وتؤكد مؤشرات الأزمة أن حماية الأطفال تبدأ قبل ظهور أعراض الهزال، من خلال منع تدهور أوضاعهم الغذائية والصحية، لا انتظار وصولهم إلى مرحلة تستدعي العلاج المكثف.
في النهاية، لا تقتصر مواجهة الجوع في السودان على استمرار عمل العيادات واستقبال الأطفال المصابين، بل تمتد إلى منع وصولهم إلى هذه المرحلة من الأساس. فمكافحة سوء التغذية تتطلب استجابة تتجاوز العلاج، لتشمل تأمين الغذاء، وتعزيز الرعاية الصحية، ودعم الأسر الأكثر تضررًا، ومعالجة الظروف التي تهدد حياة أطفالها. فبدلًا من انتظار وصول الطفل إلى حافة الخطر لإنقاذه، يبقى التحدي الحقيقي هو حمايته قبل أن يصبح الجوع تهديدًا لحياته.